الثلاثاء، 9 ديسمبر، 2014

حضور 3

عزيزي أحمد

أردت الكتابة إليك منذ عودتي من كاترين، لكني كنت أحاول الحفاظ على توازني الذي فقدته فوق الجبل. لم أستطع المواصلة لرؤية شروق الشمس، وكأنه جسدي انهار كله دفعة واحدة. اكتفيت بالجلوس مكاني على طريق السلالم والبكاء في صمت. حتى الآن لا أدري مالذي كنت أبكيه حقا. طبيبتي النفسية أخبرتني اليوم أني أعيش حالة حداد مستمرة، ولا يجب عليّ استعجالها حتى تنتهي. لا يجب أن أعاند. هناك بدايات جديدة سوف تحدث حتما. 
علياء كانت معي. أظن أننا لم نفعل شيئا طوال اليومين إلا استعادة رحلة ابريل الماضي. كل التفاصيل الصغيرة التي اكتشفنا معها بأننا قضينا أوقاتا لا يمكن تعويضها بسهولة. كيف يمكن لشهور معدودة مضت أن تجعلنا الآن نشعر بهذا الاحساس الغريب، أن كل شيء تغير، وأن كل منّا أصبح في مكان مختلف تماما وبعيدا جدا عن الآخرين. أول شيء أتذكره من هذه الرحلة هو نزولنا سويا نحن الأربعة من فوق جبل كاترينا. أنا ومحمد، أنت وعلياء. كل تلك المسافة التي أمضيناها في الغناء والضحك والكلام. وهناك رغبة أصيلة تتجسد داخلي بالعودة لتلك النقطة الزمنية، تجميدها والبقاء عندها إلى الأبد، اقتطاعها من السياق الذي سبقها والذي تلاها. فقط تلك الساعات التي هبطنا فيها الجبل حتى حديقة عم رمضان هى كل ما أريده الآن. 
ذكرك كان موصولا طوال الوقت تقريبا مع علياء. كانت تردد كلمتك "هانت" ونحن نسير متعبين ويصعب علينا التنفس، وتخبرني أنك كنت تقولها في حين أنه يفصلنا عن القمة ساعتين أو ثلاث على الأقل. كنت أحاول الوصول إلى عبد الله لأعرف منه هل حصلت على أجازتك الاولى أم لا. في نفس الوقت الذي يرسل لي فيه أكثر من صديق لك ليسألني عن تفاصيل أكثر عنك وعن وضعك الآن. طمأني عبد الله وأنا حاولت طمأنة الآخرين. ثم وجدته متعجبا من كثرة الناس الذين يتلمسون أخبارك. "دا أحمد يعني!" يقولها وهو يضحك و يدرك تقريبا للمرة الأولى محبة الناس الشديدة تجاهك وقلقهم عليك وافتقادهم لك. أو ربما نحن من نبالغ في هذا القلق، لا أدري. ما يجب عليك التأكد منه عموما، هو أنك تترك مكانا فارغا يبدو أن لا أحد يستطيع ملأه مثلك. هناك شيئا ما كنت تفعله -لا أدري ماهو تحديدا- جعلك هذا الشخص. بالإضافة إلى دعوات الحاجّة أكيد بإنه ربنا يحبب فيك خلقه. 
وعلى ذكر الدعوات، فأن أمي كثيرا ما تدعو لي أن يحبب الله فيّ حصى الأرض. لا أدري إن كان المعنى هو كثرة المحبين، أم أن أكون دائمة السفر والذهاب إلى أماكن جديدة. وإذا كان المقصود هو السفر، لم أعد متأكدة إذا كانت نتيجة دعواتها تحققت بالمعنى المراد كما يحدث معي منذ بداية العام، أم أن السفر سيقتصر على كونه ارتحال داخلي وتعب دون العثور على جنب نرتاح عليه يا عزيزي. 
لا أدري لماذا تذكرت الآن حين كنا نتحدث في أحد المرات وقلت لي "أنا فعلا خايف". ابتسمت لك في حنان لم تره من وراء الشاشة، ولا أتذكر ما قلته وقتها. أنا أيضا أشعر بالخوف الشديد هذه الأيام، والغضب أيضا. غضب يجعلني أتذكر ما قيل لي أني أملك طبيعة بركانية مهددة بالفوران في أية لحظة. وأنا أشعر أنها اقتربت يا أحمد .. اقتربت جدا.
على كل حال، يوما ما سنجلس سويا لنتحدث عن كل شيء. أتمنى حينها أن نكون مخففين من كل ثقل وعبء نحمله الآن. أن نضحك ونغني كما لو أننا ولدنا للتو ولم نفقد بعد قدرة الاندهاش واستطعام تفاصيل الحياة.

هناك 5 تعليقات: