الثلاثاء، 9 ديسمبر 2014

حضور 3

عزيزي أحمد

أردت الكتابة إليك منذ عودتي من كاترين، لكني كنت أحاول الحفاظ على توازني الذي فقدته فوق الجبل. لم أستطع المواصلة لرؤية شروق الشمس، وكأنه جسدي انهار كله دفعة واحدة. اكتفيت بالجلوس مكاني على طريق السلالم والبكاء في صمت. حتى الآن لا أدري مالذي كنت أبكيه حقا. طبيبتي النفسية أخبرتني اليوم أني أعيش حالة حداد مستمرة، ولا يجب عليّ استعجالها حتى تنتهي. لا يجب أن أعاند. هناك بدايات جديدة سوف تحدث حتما. 
علياء كانت معي. أظن أننا لم نفعل شيئا طوال اليومين إلا استعادة رحلة ابريل الماضي. كل التفاصيل الصغيرة التي اكتشفنا معها بأننا قضينا أوقاتا لا يمكن تعويضها بسهولة. كيف يمكن لشهور معدودة مضت أن تجعلنا الآن نشعر بهذا الاحساس الغريب، أن كل شيء تغير، وأن كل منّا أصبح في مكان مختلف تماما وبعيدا جدا عن الآخرين. أول شيء أتذكره من هذه الرحلة هو نزولنا سويا نحن الأربعة من فوق جبل كاترينا. أنا ومحمد، أنت وعلياء. كل تلك المسافة التي أمضيناها في الغناء والضحك والكلام. وهناك رغبة أصيلة تتجسد داخلي بالعودة لتلك النقطة الزمنية، تجميدها والبقاء عندها إلى الأبد، اقتطاعها من السياق الذي سبقها والذي تلاها. فقط تلك الساعات التي هبطنا فيها الجبل حتى حديقة عم رمضان هى كل ما أريده الآن. 
ذكرك كان موصولا طوال الوقت تقريبا مع علياء. كانت تردد كلمتك "هانت" ونحن نسير متعبين ويصعب علينا التنفس، وتخبرني أنك كنت تقولها في حين أنه يفصلنا عن القمة ساعتين أو ثلاث على الأقل. كنت أحاول الوصول إلى عبد الله لأعرف منه هل حصلت على أجازتك الاولى أم لا. في نفس الوقت الذي يرسل لي فيه أكثر من صديق لك ليسألني عن تفاصيل أكثر عنك وعن وضعك الآن. طمأني عبد الله وأنا حاولت طمأنة الآخرين. ثم وجدته متعجبا من كثرة الناس الذين يتلمسون أخبارك. "دا أحمد يعني!" يقولها وهو يضحك و يدرك تقريبا للمرة الأولى محبة الناس الشديدة تجاهك وقلقهم عليك وافتقادهم لك. أو ربما نحن من نبالغ في هذا القلق، لا أدري. ما يجب عليك التأكد منه عموما، هو أنك تترك مكانا فارغا يبدو أن لا أحد يستطيع ملأه مثلك. هناك شيئا ما كنت تفعله -لا أدري ماهو تحديدا- جعلك هذا الشخص. بالإضافة إلى دعوات الحاجّة أكيد بإنه ربنا يحبب فيك خلقه. 
وعلى ذكر الدعوات، فأن أمي كثيرا ما تدعو لي أن يحبب الله فيّ حصى الأرض. لا أدري إن كان المعنى هو كثرة المحبين، أم أن أكون دائمة السفر والذهاب إلى أماكن جديدة. وإذا كان المقصود هو السفر، لم أعد متأكدة إذا كانت نتيجة دعواتها تحققت بالمعنى المراد كما يحدث معي منذ بداية العام، أم أن السفر سيقتصر على كونه ارتحال داخلي وتعب دون العثور على جنب نرتاح عليه يا عزيزي. 
لا أدري لماذا تذكرت الآن حين كنا نتحدث في أحد المرات وقلت لي "أنا فعلا خايف". ابتسمت لك في حنان لم تره من وراء الشاشة، ولا أتذكر ما قلته وقتها. أنا أيضا أشعر بالخوف الشديد هذه الأيام، والغضب أيضا. غضب يجعلني أتذكر ما قيل لي أني أملك طبيعة بركانية مهددة بالفوران في أية لحظة. وأنا أشعر أنها اقتربت يا أحمد .. اقتربت جدا.
على كل حال، يوما ما سنجلس سويا لنتحدث عن كل شيء. أتمنى حينها أن نكون مخففين من كل ثقل وعبء نحمله الآن. أن نضحك ونغني كما لو أننا ولدنا للتو ولم نفقد بعد قدرة الاندهاش واستطعام تفاصيل الحياة.

السبت، 29 نوفمبر 2014

حضور 2

عزيزي صلاح

الدنيا مقلوبة هنا.
براءات للجميع. رضوى عاشور -العصفورة التي تسكن قلبك- بالعناية المركزة. صباح توفت بعد أيام قليلة من عيد ميلادها ال87. الجميع يشعر بالقلق فجأة ويدعو لفيروز بطول العُمر. هيكل مازال صاحي وبيلعب ولا أحد يدري من أين سيأتينا المرة القادمة. يقولون أن يوسف زيدان اعتزل صفحته على الفيس بوك، ربما بعدما لم يتبق أحد ليعطيه البلوك المتين. وموراكامي أصدر رواية جديدة ويبدو أنه على وشك الانتهاء من أخرى.
على كل حال كنت أريد أن أسألك، هل ما زلت ترى أفيال وردية أمام عينيك؟

الأربعاء، 19 نوفمبر 2014

حضور

عزيزي صلاح الشهير بأحمد جمال سعد الدين /

حاسة انه فايد بقت مكان بعيد أوي على الخريطة. أبعد حتى من سانت كاترين. 
بفكر فيك كتير الأيام دي، وبفتكر لمتنا بالليل في بيت جوردون ابريل اللي فات. بفكر لو كان فيه وصل قريب، نطلع الجبل قبل نهاية السنة، ولو طلبت مني تاني أشغلك "انت عمري" هعمل دا بدون أي تردد.

بي. اس: لسبب مش محدد مالقتش غير هنا أنسب مكان أكتب لك فيه. ودا يخليني ممتنة ليك بشكل كبير.

الأحد، 26 يناير 2014

موال الرجا

ميّة حلوة وصافية بتجري في ايدي يارب .. بغمض عيني أشوف ميّة بتجري في ايدي ويشرب منها وتروي روحي معاه ...
القلب بيرق ويوصلّك لما شغافه تلين ودمع الحنين مايوقفش .. الدمع بيتحول لنهر وميّة بتجري .. بتغسلني وتغرقني .. وانت زرعت في صدري شجرة ماليش يد فيها .. كل ما تكبر توجعني .. كل ما تطرح ورد أبيض صغير كل ما تزود هشاشة قلبي .. كل ما تزهّر برتقان وريحة فل ما أقدرش أستحمل لوحدي .. كل شوية كنت أقول أولى بهذا القلب أن يخقق .. أولى بهذا القلب أن يخفق .. وأنا قلبي بقى عليل .. هيفط منيّ ويخرج برايا مع كل خفقة والتانية .. وعيوني اللي الكحل فيها سايح .. وخدودي اللي يسووا عليها رغيف عيش .. وشفايفي البهتانة .. وكل ذرة في جسمي وروحي يارب .. كل حاجة موصولة ببعضها .. خلي الحنين والشغف والوحشة والصبابة والوجع الحلو ميّة حلوة بتجري .. خليهم نبع .. وخلّي عطشه يدله عليه .. ولو ماقسمتلناش في المروى نصيب .. ماتخلعش جدور شجرتي بالعافية .. شيلها بشويش .. أو سيبها غيري يتضلل بيها...

الخميس، 12 ديسمبر 2013

رؤيا

ستصعدان معا هذا الجبل
يستنشق كل منكما
رحيق شروق شمس الآخر
وتلتحفان ببعضكما
تلتحمان
إلى أن يظهر النور
وتنفتح الروح على موطنها

ستخلع الأشجار فوق الجبل 
ملابسها وتتعرى
من الأسرار المكبوتة داخلها

سيجلس كل منكما أمام الآخر
ويراه..

الاثنين، 15 أبريل 2013

سلام من روحي بعتلك!

"ممكن في مرة تسمحلي أقعد قدامك وانت بتشتغل، ومعملش حاجة غير إني أتأمل تفاصيلك وملامحك لحد ما تيجي تمشي؟ .. معلش أنا عارفة غرابة طلبي، بس فيه حاجة مش فاهماها بتخليني لما أشوفك أبقى عايزة أقعد أتفرج عليك وأراقبك بالساعات. بحس بسكينة ولذة غريبة، واني مرتاحة أوي، وعضلات جسمي المشدودة بدأت تفك وترتخي

لو سمحت ماتغيبش كتير تاني. زي ما تكون ماخرجتش م البيت بقالك وقت، لونك قبل كدا كان سماره زايد شوية عن النهاردة. المهم ما تغيبش، عشان انت ماتعرفش قد ايه بتعمل حاجة مهمة مع الناس اللي حواليك، أو معايا أنا تحديدا. عايزاك بس تيجي تقعد في الأوقات اللي بكون فيها هنا وتمارس روتينك العادي. عايزة أحس إنه فيه حاجة قادرة تستمر وما تخلصش فجأة

كنت سلمت خلاص النهاردة انك مش راجع تاني، وابتديت آخد بالي م الدوشة الزايدة في المكان. وقمت بدري عشان ألحق نرمين صاحبتي في مكان تاني. هى جت قعدت معايا الصبح صحيح، بس مشيت عشان ماكنش فيه نت. عايزة أقولك انك بقيت مشهور أوي لدرجة وهى قايمة سألتني هو مش موجود صح؟ .. رديت بأسى خفيف ونص ابتسامة وقلتلها بس مش مشكلة

المهم إني قمت بدري ورحتلها ع المكان التاني، ولما مشيت عشان أروح كنت لسة بصارع نفس الموود اللي مخليني بتنفس هوا تقيل. عديت من جنب مكاننا بطبيعة الحال في طريقي للمترو، ولقيتك. قاعد مديني ضهرك على نفس الترابيزة وبتشتغل. وزي ماكنتش فاهمة حالة الحزن اللي صابتني بافتقادي وجودك، مافهمتش إزاي حالتي اتغيرت في لحظة وكنت عايزة أتنطط زي العيال م الفرحة. كنت عايزة أكلم كل صحابي اللي يعرفوا الحدوتة وأقولهم إنك جيت أخيرا. وقفت بعيد شوية وكلمت نرمين فعلا ونص الكلام كان طالع متلخبط مني وعمالة أضحك بصوت عالي. شفت أنا مسكينة قد ايه :)

نرمين عملت حاجة عظيمة أوي، قالتلي أنا لازم آجي أشوفه. وفعلا سابت الشغل اللي كانت بتعمله وجاتلي وأول ما وصلت وبصت ع المكان سألتني هو اللي لابس بيريه؟
غريب أمرك، فيك حاجة مميزة فعلا. المهم انها عملت حاجة أعظم وقالتلي تعالي ندخل كأننا بنسأل على حاجة، وأنا طبعا ما صدقت. أول ما عدينا من قدامك رفعت عينيك وبصيتلنا. المرة دي قررت إني أركز عيني عليك مادام مش هعرف أسلم. لقيت فيه نظرة منك معناها انك عارف، وانك بتحاول تعمل نفسك مش عارف

دخلنا جوا ونرمين بتقولي غريب الحدس دا انه أول ما ندخل يقوم يرفع عينه ويبصلي في نفس اللحظة، ودا كان أصلا اللي حصل في أول مرة شفتك فيها. خرجنا من غير ما نسأل على حاجة طبعا، وأنا حاولت أبصلك تاني بس انت كنت مركز مع اللاب توب وماحاولتش تلفت الانتباه

بس أنا مازعلتش. عارف في الأيام اللي ماكنتش موجود فيها كام واحد كان قاعد مكانك وبيحاول يلفت الانتباه بطريقة فجة على العكس تماما من طريقتك؟ أو يبصلي كأنه فيا حاجة غلط وأنا مش واخدة بالي، أو يحسسني إني متراقبة بشكل غير مريح تماما
ساعتها حسيت قد ايه وجودك مهم فعلا وفارق معايا، وجنب حالة الراحة  بقى فيه حالة البهجة والخفة لرجوعك مرة تانية. كان لازم أخليك تشوفني ولو لدقايق وتحصل حالة الاتصال السريعة دي

انت بهجة وراحة وبتطلع من عندي رغبة مستمرة في الحكي، ودي حاجة عظيمة لو تعرف"
14.4.2013

 جواب تخيلي للغريب زميل المقهى واللي كان غايب بقاله فترة.

الأربعاء، 10 أبريل 2013

تِسعَد يا حبيبي!



الروح معتلة من زمن يا أحمد. وأنا لا أعرف ماذا أصنع. أشعر فقط برغبة دائمة في النوم!



لو كنت جلست بجانبك يومها بعد أن ضربك الأستاذ، وقبّلت يديك المتورمتين...

أو لو كنت ذهبت إليك وشكرتك لسؤالك عني بعدما فقدت الوعي في طابور الصباح..

"معلش يا نهى" .. بعد حادثة مؤسفة أخرى بفناء المدرسة، مررت بجانبي وأنا في طريقي للبيت، همست الجملة في أذني ومضيت. لم تلتفت ولم أعرك انتباها كافيا. كنت مشغولة ببكائي ورثاء ذاتي.

لو سألتك ذلك اليوم عن سبب ذهابك للطبيب، ولماذا منعك من أكل الشيبسي...

لو ابتسمت إليك في كل مرة تتقاطع خطواتي مع خطواتك في الممرات المؤدية للسلالم والفصول...

لو في آخر يوم لنا بذلك السجن الكبير أخبرتك حقيقة مشاعري، وأخبرتك عن ذلك الحلم الأزرق، وأنت تجري خلفي، وجهك متألم ويائس وتبحث عني في كل مكان ولا تراني. وأنا أجري أمامك على بُعد خطوات قليلة. لا أعرف لماذا أهرب منك ولا أصدقك أنك ستؤذيني..

لو توقفت قليلا، لدقيقة فقط، في تلك المرة عندما رأيتك صدفة بشارعنا. لو توقفت ومددت يدي إليك. لو أطلت النظر إلى عينيك كما فعلت أنت حتى ابتعد كل منا في اتجاه معاكس...

هل كان سيتغير شيء ما يا أحمد؟ هل كنت لتبقى؟ وترسل لي مثلا هدايا صغيرة على عنوان البيت الذي تعرفه جيدا، أو تنتظرني أسفل العمارة عند خروجي، وتراقبني وأنا أكبر كل يوم، وتراقب جسدي وهو ينضج كل يوم. هل كنت ستخبرني كما يفعل الجميع "بتبقي عايزة تطلعي تجري" تعليقا على طريقتي وأنا أسير في الشارع.

لو بقينا على اتصال، كنا سنتبادل أرقام الهاتف عند اختراع الموبايل، ونضيف بعضنا على الفيس بوك وربما تمبلر أيضا، وتتحول علاقتنا إلى ساعات طويلة نقضيها في الحديث على الانبوكس، وارسال الابتسامات والقلوب والأحضان والقبلات الافتراضية.

أكره هذا الجزء من الحديث يا أحمد. أكره كل الاحتمالات الممكنة عن كيف ستتغير وتختلف ملامحك. كنت ستقفز في قلب أمطار الغاز والاطارات المشتعلة بمحمد محمود، أم تنسحب إلى فقاعة ذاتية باحثا عن سلامك الخاص، أم انك رحلت إلى مكان بعيد جدا عن هنا، لا يعرف عنه أحد. وظل داخلك ذلك الولد الدافىء، قابعا في مكان سري معزول عن كل ذلك العبث.

هل كنت ستهاجم أفكاري وتقتحم أحلامي بتلك القوة لو بقينا على اتصال!! .. أكثر من عشر سنوات، ومازلت تزورني في الحلم. تأتي فقط لتأخذني في حضنك، تقبّل رأسي، تشدني من ذراعي وتمنعني من إني أطلع أجري. تخبرني أنك ستظل هنا، ولن تسمح لي بالرحيل. فأستكين بين ذراعيك مرة أخرى يا أحمد.

بالأمس أخبرت صديقة لي عنك. هى تهتم بالروحانيات كثيرا. أخبرتها عن أحلامي، وعن ندمي على كل تلك الأشياء التي لم أفعلها حين كنا معا في نفس المكان. أخبرتها عن ذلك الحلم الأخير منذ عدة أيام. كان مختلفا عن كل ما سبقه، ملونا ومليئا بالنور، وأنا مَن قمت بالخطوة الأولى هذه المرة. جذبتك من ذراعك لتستطيع دخول المصعد المزدحم وتقف بجانبي، ونجحنا في ذلك. بقينا ملتصقين حينما حاول الغرباء اقصاء كل واحد منا في ناحية. نظرنا إلى بعض وضحكنا في بهجة شديدة، ثم مضينا إلى مكان أكثر رحابة. كنت وقتها تحاوط كتفيّ بذراعك، ثم بحركة سريعة ودافئة مشيت بيدك على ظهري من أعلى لأسفل. لو تعرف كم أحب هذه الحركة يا أحمد. أستيقظ وأثر أصابعك ما زال واضحا وقويا، وأشعر أن أجزاء روحي المعتلة قد تم تفكيكها وإعادة لصقها مرة أخرى.

أخبرتني صديقتي عن احتمالية ما، أن تكون من الأشخاص الذين أتوا إلى الدنيا بطاقات كونية كبيرة، لا هم لهم سوى الاهتمام بالآخرين ودفع الأذى عنهم، وأنك بالفعل متواجد حولي، تراني وترعاني جيدا بطريقتك. لا أدري حقا يا أحمد، ولا أجد لذلك الأمر تفسير. ما يحدث هو فقط يحدث. أحاول التوقف عن التفكير بأنك في مكان آخر، بعيد أو قريب من هنا، تفكر بي بنفس الطريقة، وأني آتيك في أحلام شبيهة، وتستيقظ لتشعر بملمس يدي مازال قويا ودافئا على صدرك. أحاول التوقف عن التفكير حول لماذا أنا ولماذا أنت...

أنا فقط لم تدفعني الحاجة للكتابة إليك والحديث عنك هكذا قبل الآن. شحنة من المشاعر القوية والمتدفقة تكاد تخترق صدري بعد ذلك الحلم. صوت داخلي يخبرني أن عليّ البحث عنك وايجادك بسرعة، أن الوقت الباقي ضيق جدا ولا يحتمل الارجاء والتأخير. هناك على العموم العديد من الأصوات التي تتحدث داخلي ولا أعرف من أين أتت. أظن أن بعد شهر أو اثنين على الأكثر سيهدأ كل ذلك، وستعود حياتي لايقاع عادي لا أحلام فيه أو محاولات اتصال، سأستمر في التخبط بأحضان غريبة. ثم أحلم بك مرة أخرى، وأشعر لوهلة أني وجدت البيت الذي أبحث عنه، ثم أستيقظ. وأجد نفسي ما زلت نائمة في نفس المكان، على نفس السرير، الذي لا يسع سوى فردا واحدا..

أشعر أحيانا أني مجنونة  يا أحمد، ولكن عليّ تصديق أن وجودك حقيقي بحياتي...

دمت بخير،

مِن نهى، رفيقتك في الأحلام..

الأحد، 10 فبراير 2013

على فكرة

(45)

ومساحة الفراغ تلك التي تكونت، يتم اعتيادها. يتم اعتياد صمت الهاتف وتوقف الابتسامات اللاارادية. أما عن كل التفاصيل التي تحدث، والأشخاص الجدد الذين نقابلهم، تتوقف حاجة الحديث عنهم إلى شخص بعينه. نعتاد اختزان كل شيء في الرأس، أو الحديث عنه بشكل عام وبأفضل اختزال ممكن، وكأننا نكتب نقاط عريضة بدفتر المذكرات. نعتاد طبيعية الوضع الجديد، لا شيء منقوص، لا شيء زائد عن الحاجة. كلٌ في مكانه السليم. الاعتياد هو كل ما في الأمر.

الأحد، 13 يناير 2013

مرايتي يا مرايتي

حد فاكر البنت اللي جت في آخر مشهد من الفيلم؟ دخلت الكوافير وهى شعرها طويل أوي، وخرجت بعد ما قصته خالص، وكانت ماشية بتضحك وخفيفة ومكسوفة، وكل شوية تلمس شعرها القصير ومش مصدقة إنها أخيرا عملتها
افتكرتها النهاردة، لأني تقريبا كنت في نفس حالتها. ماصدقتش إنه دي أنا بعد ما بصيت لنفسي في المراية، وإنه دا وشي ودا شعري اللي أخيرا قصيته زي منا عايزة.
كنت مبسوطة وحاسة بالخفة في لحظتها. كنت حاسة إني عايزة أطلع أجري من الكوافير واتنطط وأرقص من غير الحجاب.
بس غريب إحساس الوجع اللي هيقتلني دلوقتي. إحساس إني عايزة أعيط بحرقة. وكأنه فيه مشاعر، ذكريات، حاجات حلوة وصعبة كتير فاتت، اتخلصت منها مع خصلات شعري اللي كانت بتنزل ع الأرض. مع كل لحظة كنت بسمع فيها صوت شعري وهو بيتقص، كنت فاهمة إني بتخلص من عبء زايد عن حاجتي.
دلوقتي حاسة وكأني نزعت المشاعر دي بالعافية من جوايا، مديت ايدي جوا صدري وشلتها بمنتهى القسوة، وسبت مكانها حفرة كبيرة.
مع إنه شكلي من برا بقى أقرب لتصوري الذهني عن نفسي، بس هيفضل الحجاب مغطي على مساحة الفراغ اللي اتكونت.
في الفيلم لما شفته قبل كدا، كنت حاسة إنه فيه حاجة بمشهد النهاية دا واقعة مني ومش عارفة ألقطها. البنت ماشية مبسوطة وبتضحك، في حين إنه أغنية مرايتي بكل وجعها وحزنها بتشتغل في الخلفية وبتنزل مع تتر النهاية.
دلوقتي حاسة إني قادرة أفهمه كويس..

الأربعاء، 2 يناير 2013

أديش كان فيه ناس!

فيه ناس بنتطمن ونرتاح لمجرد وجودهم في نفس المكان، برغم إنهم أغراب مانعرفش حتى اسمهم. الصدفة بس هى اللي خلتهم قاعدين ع الترابيزة اللي قصادنا. مجرد إحساس بيتخلق جوانا أول ما عيننا تقع عليهم. بنبقى عايزينهم يفضلوا موجودين أطول وقت ممكن، نتونس بيهم ولو من غير كلام، وبيوحشونا لما يلموا حاجتهم ويمشوا..
النهاردة حصللي كدا. لدرجة إنه عينيا كانت هتدمع لما قام مشي. ماحستش بيه، فجأة بس اختفى وكأني اتخيلته في دماغي. لما وصلت لمحته أول حد في المكان ورفع عينه باصلي في نفس اللحظة. الوقت اللي قعدناه سوا كل واحد على ترابيزة ماكملش نص ساعة. كانت أكتر نص ساعة حسيت فيها بسلام داخلي لدرجة إني ابتسمت رغما عني..
كنت بحس بيه بيبص ناحيتي أول ما ألتفت بعيد عنه، أو يمكن اتهيألي!
حسيت فجأة برغبة في الحكي، إنه لو جه وقاللي إزيك هتكلم وأقوله على كل حاجة ببساطة من غير تفكيرز.
 كان عندي رغبة أقوله ييجي يقعد معايا، ويكمل عادي شغل ع اللاب توب وأكمل أنا قراية في كتابي، وبعدين نشرب حاجة دافية سوا واحنا ساكتين.
تخيلت الموقف بيحصل، وتخيلته بعدها بيطلب نتبادل أرقامنا. ساعتها حسيت بوجع خفيف في صدري. تخيلت إني هرفض، هقوله إنه اللحظة الخاصة اللي مرينا بيها مش لازم يكون ليها توابع تانية، وإني كدا هشيل عبء تقيل أنا مش قده خالص دلوقتي.
لما مشي اكتشفت إني بحب الناس بس على مسافة. أو يمكن أنا في مرحلة معينة عايزة أقف فيها على الحياد، يبقى سهل إني أبعد مادام ماقربتش أوي ولا اتورطت أوي..
اكتشفت إني بقيت بتقبل جدا فكرة العابرين سريعا، بخفة طلتهم، خفة وجودهم، وخفة رحيلهم.
يمكن دي مرحلة هتاخد وقتها فعلا، بحاول فيها ماتمسكش بحاجة أو أستنى حاجة، عشان ما أزعلش على أي حاجة. يمكن اقتنعت فعلا بفكرة إنه مفيش حاجة بتضيع، ولو بتاعتي مع الوقت هتلف وتغازلني، هتلف تاني وتجيبني.
كفاية عليا دلوقتي إحساس الراحة لما بصيت في وشه، إحساس إني مش هفكر أطلع أجري ولو فضلنا كدا عشر ساعات متواصلين.
كان واحد بيفهم اللي قال إنه الناس بتتكلم وتتواصل عن طريق القلب، مش اللسان!

الجمعة، 28 ديسمبر 2012

فيما يخص السفر والوصول (2)

عارف، أنا دلوقتي عاملة زي اللي مستنية حاجة معادها فات وهى عارفة إنه فات بس لسة مستنياها
...
جيرمي كان بيحكي لاليزابيث في الفيلم على مامته زمان لما كانت تقوله لو تهت خليك قاعد في نفس مكانك عشان أعرف ألاقيك بسهولة. اليزابيث سألته والطريقة دي كانت بتنجح؟ قالها في الأغلب إن مامته هى اللي تاهت وهى بتدور عليه
يمكن قالها كدا فعلا، ويمكن دا اللي فهمته م الكلام، أو اللي كنت عايزة أفهمه
...
جيرمي فضل قاعد سنة كاملة في نفس مكانه. بيحاول يوصل لعنوان اليزابيث أو عنوان المكان اللي بتشتغل فيه عن طريق البطاقات اللي بتبعتها. اتصل بكل المطاعم والكافيهات اللي شايلة نفس الاسم. كانت بس واحشاه. اليزابيث لما رجعت وقعدت على نفس الكرسي في الكافيه بتاعه، لقت قدامها نفس الطبق ونفس الكوباية ونفس الشوكة، وعلامة محطوطة إنه المكان محجوز .. عشانها
...
عارف، أنا دلوقتي عاملة زي اللي فاتت حاجة أو حد وراها وطلعت تجري. والحد دا لسة مستنيها ومش عارف إنها عدت م المكان دا ومشيت خلاص
...
 حضرت جلسة تأمل في بيت حد من صحابي. مش عارفة كنت مستنية ايه. ينكشف عني الحجاب مرة واحدة ولا أكتشف عمق جديد فيا ماكنتش أعرفه مثلا. الفرق اللي حصل إني حسيت بالبرد، وناس تانية حست إن جسمها مولع. فيه ناس راحت في النوم تماما، لكن أنا كنت واعية ودماغي متحكمة فيا بشكل كبير. كنت بشوف حاجات قدامي كل ما أغمض عيني. شفت باب نحاس ملون، وحيطان حجرية لبيت قديم، وزخارف وورق شجر متعشق في بعضه. شفت طرقة طويلة كأنها نفق الزمن بيجري فيها بسرعة. شفت دايرة نور صغيرة، زي مايكون نور شمعة جاي من ورا غيامة. شفت صورة لوش بنت قبطية زي ما تكون ستنا مريم
حاولت أسترخي، أتنفس بهدوء ومافكرش في أي حاجة. وهما بيحرقوا الفحم ويولعوا البخور ركزت عيني على لون الفحم   البرتقاني، سرحت معاه وافتكرت الشمعة اللي لسعت ايدي يوم ما دخلت الكنيسة اللي بحبها آخر مرة. حصل الموقف تاني قدامي بنفس تفاصيله وقوة حضوره. غمضت عيني ولقيت تفكيري مشتت. ناس ووشوش وكلام ومشاهد داخلة في بعضها. لما شفت دايرة النور الصغيرة وقلت للولد اللي بيدير الجلسة، ضحك وقال للباقي دي خلاص وصلت. معرفش يعني ايه وصلت، ومعرفش يعني ايه الحاجات اللي أنا شفتها
...
 مع كل نفس بخرجه كنت بحس بحاجة بتتسحب مني، وحفرة كبيرة بتتكون. حاولت أتخيل شكل قلبي وماعرفتش. كل اللي كنت بشوفه جدول ميّة بيجري
...
 عارف، المفروض أطلع مرتاحة. بس اللي حسيت بيه كان كوكتيل خواء على زعل على هاجس مسيطر بإنه فيه حاجة مهمة ضاعت مني. كنت بس محتاجة حضن
...
اليزابيث طلبت من جيرمي يقولها حدوتة كل مفتاح من المفاتيح اللي في البرطمان الإزاز. كانت بتاعة مين وإزاي ضاعت من صحابها. حكالها على واحد فيهم إنه كان بتاع اتنين ساذجين كفاية عشان يتخيلوا إنهم هيعيشوا طول حياتهم مع بعض. سألته وايه اللي حصل ساعتها. قالها الحياة هى اللي حصلت، الوقت هو اللي حصل، والمشاعر هى اللي اختفت
..
جيرمي فضل قاعد في مكانه بعد ما كل أحلامه تقلصت في مساحة صغيرة من الترابيزات والكراسي والقهوة والشاي والتشيز كيك وفطيرة البلوبيري. واليزابيث غابت 300 يوم ورجعت بعد ما قربت أكتر من نفسها، وكان هو عايش حياته البسيطة بنفس روتينها وايقاعها
...
عارف، الفكرة مش إنك تتحرك طول الوقت أو تفضل في نفس المكان طول عمرك. فيه ناس بتبعد وتدخل جوا سكك متفرعة عشان دا اللي بيخليها تشوف الصورة أحسن. وفيه ناس بيفضلوا دايما مستنيينا في نفس المكان، بنفس الطبق والكوباية والشوكة والكرسي المحجوز، لأنهم مش محتاجين يشوفوا الصورة أحسن من كدا، ولأنه مش لازم يكونوا هما التايهين بالضرورة
...
مالحقتش آخر حتة بعد جلسة التأمل. كان لازم أطلع أجري عشان ألحق أروّح قبل الساعة 11 بالليل. كان المفروض أقول تاريخ اليوم اللي اتولدت فيه وكان بيوافق يوم ايه في الأسبوع والساعة كام بالظبط. ساعتها كان حضرة المُنجّم هيحكيلي حاجات من الماضي والحاضر وكمان المستقبل. عارفة إنك مابتصدقش في الحاجات دي بس فضولي كان قوي، وزعلت بجد لما اضطريت أمشي قبلها
...
عارف، وكأني متخيلة ببساطة إنه حد هييجي يقولي ايه اللي فاتني ومين اللي مستنيني وأنا مستنية حاجة بتاعتي ولا ماليش حق فيها، وايه اللي سبته وطلعت أجري
وكأنه ببساطة هيفرجني على كل حياتي الجاية مرة واحدة ويحرمني من كل الهواجس والقلق والاحتمالات والتخيلات اليومية اللي مابتنتهيش
...
 أنا ماكانش لازم أعرف، لأني غالبا من نوعية الناس اللي بتبعد وتتوه جوا سكك مالهاش آخر عشان تعرف توصل
....
عارف، حاسة إني عاملة زي اليزابيث. بتبعت جوابات لجيرمي تحكيله عن اللي بيحصلها، لأنه الوحيد اللي ممكن تقوله على أي حاجة
...

الثلاثاء، 25 ديسمبر 2012

على فكرة

(44)

من أسبوع فات:


فيه وقت هييجي، هيتراكم فيه إحساس الفقد وهيخبطني مرة واحدة. هفضل أعيط كل ليلة قبل ما أنام، وأتحايل على نفسي كل يوم عشان أقوم م السرير. فيه وقت هييجي، وهبدأ أحس فعلا إنه فيه حاجة راحت ومابقتش زي الأول. فيه وقت هيعدي عليا، وهتأكد إنه فيه حاجة مهمة ماكانتش أصلا موجودة م الأول، والفقد عشان الشيء اللي ماحصلش وكان ممكن يحصل. ودا اللي هيوجعني...

النهاردة:

مش عايزة أدخل أنام، عشان زي كل ليلة هاحس إنه السرير واسع بزيادة، وإنه البطانية مش مدفياني كفاية. وزي كل ليلة فيه دمعتين بالعدد هينزلوا قبل ما أروح في النوم، وبعد ساعتين تلاتة هاقلق وأفضل أتقلّب لحد ما النهار يطلع ....

الخميس، 20 ديسمبر 2012

فيما يخص السفر والوصول !

عزيزتي غادة /



فاكرة اليوم المنوّر اللي حكيتلك عليه؟ الشمس اللي دخلت رشق م الشباك المكسور على قلبي عدل، لسعة نار الشمعة ...
فاكرة يوم ماكنت عندك وضلمنا الأوضة وطلعنا البلكونة نتفرج ع القمر ونحكي...
فاكرة آخر مرة لما قعدنا ع الدكة الخشب نسمع أم كلثوم

التلات مشاهد دول فيه بينهم حاجة مشتركة، إني كنت منغمسة تماما في اللحظة. وحاجة تانية مشتركة، إنه كان فيه روح خفيفة بترافقني، كل مدى بشوف ملامحها أوضح، بس لسة مش عارفة هى ليه أصلا بتطاردني .. عارفة إحساس إنك مش لوحدك، فيه حتة تانية منك قريبة وبعيدة في نفس الوقت.

وعلى سيرة النور. لحد دلوقتي بحاول أستوعب إزاي اتكتبلي ودخلت المكان اياه أبو شباك مكسور، وفي اللحظة دي بالذات. لحظة إنك بتعدي من قدامه وهتمشي وإنتِ على يقين إنك مش هتعرفي تعدي السور، وفجأة بتلاقي الأبواب المقفولة بتفتح بسهولة شديدة. رغم إنك بتعدي ع المكان كتير، رغم إن تسليمك بوجوده على مسافة مع الوقت خلاكي ماتحسيش بيه أصلا، رغم إنه احتمال ماتعرفيش تدخليه تاني خالص بنفس السهولة دي. هى لحظة، بيكون ليها مؤثراتها وإحساسها الخاص بيها، ماينفعش تتكرر بنفس حذافيرها كل مرة.

ساعتها النور عرف يقابلني في نقطة، ساعتها فكرة بيت النور اتجسدت قدامي وبقى ليها ملامح محددة. كل ما أفتكر اليوم دا، اللي بييجي على بالي صورتي وأنا واقفة قدام الشباك قبل ما أمشي، ونور العصرية داخل ومغرق وشي، وأنا رافعة ايديا الاتنين قدام عيني وبلعب مع الشمس. ساعتها كنت منتشية، وكنت مصدر بهجة للي شايفني ....

من وقتها وفيه حالة تجلي للذات بتحصلي بصور مختلفة، مؤلمة ومسالمة ومبهجة. أحيانا بخاف إنه تأثير اليوم دا واللحظة يروح، وأرجع تاني لحالة تخبط وفقدان الاتصال مع الذات. بس بلاقي إنه الحبل موصول، ونقطة بتسلم للتانية، وطريق لازم عليا أنا اللي أمشيه لوحدي ...
غلط لما تفكري إنك عشان تحافظي ع الحالة، تحاولي تمدي جسور بالعافية مع اللي كان يشاركها معاكي. الجسر بتمديه مع الأصل، مع ذاتك.

عارفة امبارح بس قررت إني من هنا ورايح هحاول أكون صانعة بهجة الآخرين. إزاي معرفش، بس لقيت دي الحاجة اللي عايزة أعملها وأعيش عشانها. حاجة تخليكي تتغلبي ع المسافات الزمانية والمكانية وتكوني بشكل ما موجودة في حاجة من ريحتك.


شوفي أنا بقالي قد ايه بدوّر على بيت النور!!
وأكتشف في الآخر إنه البيت جوايا أنا، إنه مش لازم يبقى محدد بجغرافيا أو بصورة واحدة تختصر من معناه. والنور طلع هو اللي محتاجني أمسك ايده وأوصله لحد الباب مش العكس.
هو احنا سألنا نفسنا قبل كدا: مش يمكن النور هو اللي بيدوّر علينا طول الوقت، و قبل ما يوصل بدقايق احنا دايما اللي بنطلع نجري؟!



الأربعاء، 5 ديسمبر 2012

لماذا تركت الاسبرسو وحيدا؟!


السيدة الشقراء على المائدة البعيدة
الكرسي الشاغر أمامها
شعرها المموج
ابتسامتها الخفيفة وهى تتحدث بالهاتف
طلاء أظافرها الأحمر
يدها الأخرى تضغط بخفة على جبهتها
دخان سجائرها المتراقص حولها
المزيد من الدخان تخرجه من صدرها في هدوء
مشروبها المثلج
شرودها
احساسها بالاكتفاء
احساسي أنها لا تنتظر أحدا

السيدة الهادئة على المائدة الأقرب
وجهها الطفولي المبتسم
شعرها البني المنساب حتى كتفيها
عينيها الواسعتين وهى تتحدث بالانجليزية للرجل المسن أمامها
رقبته الرفيعة من الخلف وشعره الثلجي
انحناءة طفيفة بظهره 
لغة الإشارة وهو يطلب نفس مشروب السيدة الشقراء
 كان يشير إلى مائدة فارغة بعد أن ذهبت

الشاب الأسمر ع المائدة المجاورة
مطفأة ممتلئة بأعقاب السجائر
سيجارة جديدة بين أصابعه
رأسه المائل على السور الخشبي
نظرته إلى نقطة بعيدة لا يراها سواه
شبح ابتسامة واستغراق كامل داخل الصمت
صديقة تمر مصادفة
تندهش وأندهش ونتحدث قليلا
تلحق بصديقها داخل المقهى
أعود لكتابي
أبتسم وأدوّن جملة أعجبتني في النوتة البرتقالية
أشرد قليلا ثم أتفقد ساعة الهاتف
أعود للكتاب
أرفع عيني بين حين وآخر لشرفة في البناية المقابلة
 الشاب بجواري خرج عن صمته وطلب فنجانا من الاسبرسو
أشرد وأتفقد ساعة الهاتف
الولد والبنت خلف الحاجز الزجاجي للمقهى
ابتسامتها المبهجة وهو يداعب خدودها
ابتسامتي الممتنة لهما
الرجل الجالس بمواجهتي 
ومكالمة طويلة يشكو فيها زوجته
يهم بالرحيل أخيرا
الشاب الأسمر يقوم فجأة ويدخل المقهى 
صديقتي تخرج وتحييني ثم تذهب
أتفقد ساعة الهاتف
أطلب الحساب
أنظر لفنجان الاسبرسو المتروك وحيدا
 لو كان بإمكاني تصوير فيلم قصير في مديح العادية
أفكر قليلا وأنا أنظر للشرفة في البناية المقابلة
ألملم أشيائي وأمضي
خفيفة وممتلئة



الأحد، 2 ديسمبر 2012

Inside / Outside ...

بداخلي  مائدة فارغة
روح خفيفة كسحابة
وأشباح مسافرة ترقص في البعيد

بداخلي شمس صغيرة وخائفة 
ويد تتشبث بآخر مقعد للقاء 

بداخلي مدينة صامتة ومظلمة 
لا تسع مأوى للعابرين سريعا 


بداخلي موعد فائت وضجر
 ملاءات بيضاء مكرمشة
وموعد لا أريده أن يتكرر


بداخلي صدى ضحكة يتردد بردهة طويلة
وأصوات ترانيم كنائسية تخصني وحدي ...
على كتفي رأس ثقيل
مازال معلقا في المسافة بيني وبين كتفه..


الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

على فكرة

(42)

وزي امبارح لما نفسي فجئتني وأنا ماسكة قلم وبرجع أكتب وأشخبط تاني، النهاردة لقيت الكلام اللي كنت بنساه رجعلي تاني. والأسئلة اللي كنت بتعرضلها وعلى بساطتها على قد ماكنت بلاقي صعوبة شديدة في الإجابة، دلوقتي لقيتني بجاوب وأرغي وأحكي وأنا مليانة بشغف الحكي. 
حالة الامتلاء والشغف اللي بتتسحب بشويش لصدري من جديد إزاي بتحصل؟! وإزاي رجعت؟!
نور الشمس اللي امبارح دخل على قلبي عدل وقلّب تربتي الناشفة؟ .. ايه اللي حصل فجأة من امبارح للنهاردة؟!
ويمكن عارفة، ويمكن مش عايزة أعرف !!

الثلاثاء، 30 أكتوبر 2012

خفّة

أنا فقط رأيت شيئا ما، ليس خاطرا أو وحيا أو رؤيا. ليس شيئا متجسدا أمام عيني بوضوح. أنا فقط أبصرت شيئا جعلني أشعر بالطمأنينة والحزن في الوقت ذاته. الألم الخفيف كريشة طائر أبيض تحط على كتفي، وإحساس الراحة أنه ما زال عندي قدرة الشعور بذلك الألم.
أنا رأيت ذلك الشيء. كان محتمل أن يكون مخيفا صادما ومفزعا. ولكن على العكس، جعلني لا أشعر ثانية بذلك الهلع من الخسارة. ربما أكون تلك الريشة الصغيرة التي استقرت على كتف أحدهم، ربما لست بهذا الثُقل كما أتصور ... ربما لسعة النار التي أصابتني وتجردي من رأسي للحظة هو ما جعلني أرى، ما لا أدرك ماهيته حتى الآن.
ربما الحزن هو على جميل ما حدث، والطمأنينة لجمال ما سوف يحدث. وما أبصرته بينهما كان يقينا أنه مقدر.
ربما كنت الطائر الذي أفلت ريشته، واطمأن لاستقرارها على كتفي. 

السبت، 11 أغسطس 2012

عُطل فنّي !

هذه المرة تعاودني الحكّة الجلدية بشكل عنيف في منطقة جديدة من جسدي....
 أسفل الظهر الذي يقال عنه منطقة ساخنة، سيصبح عندي عما قريب مشوه خشن ومليء بالبقع السمراء ...
هذه المرة أشعر بنزيف دائم في رحمي، دون نقطة دم واحدة تلوث ملابسي الداخلية ..
هذه المرة أنظر لشعري الزائد يغطي ساقيّ بكثافة، ولا أعرف مالذي أشعر به تحديدا .. 
لا أعرف حتى كيف أنهي هذا النص، مالذي أريده من تدوينة كهذه ..
أعرف فقط أن إجابة الطبيب بخصوص الحساسية لن تتغير، وأني أزداد بدانة بعد شهر من مكوثي في البيت..
وأن معدّل الهستامين يزداد في دمي الآن ويغلق مسارات الهواء في رئتيّ..
أعرف الخدوش الحمراء التي ألاحظها على ذراعيّ ورقبتي صباحا ولا أدري كيف حدثت أثناء النوم ..
أعرف فقط أني قد أتسبب في  الأذى لنفسي دون وعي ...

لا أعرف أكثر من ذلك !!