الجمعة، 29 يناير 2010

الربيع يأتى قريباً

الشهور إللى فاتت عدت وخلصت، شهر يناير خلص ، الإمتحانات خلصت

كل حاجة راحت وانتهت

مع آخر امتحان امبارح حسيت إنى دوست فجأة على فرامل عربية سايقاها عالطريق السريع

فجأة اكتشفت إنى كنت بَسوق

فجأة انتبهت إن شريط المزيكا إللى كان شغّال طلع بايظ وطول الطريق بيسِفْ، يسِفْ

حسيت قد إيه الحياة كانت دوشة

دوشة جامدة و وَشْ ، وَشْ

حسيت بكده لما وقفت

والشريط وقف

وأنا بصيت حواليا وقعدت أتأمل الفراغ

ولقيتنى خرجت بره الحدود من زمان

والطريق لساه سريع

وأنا حابسة نفسى جوه العربية بقالى كتير


فى الحالة دى المفروض أعمل حاجة محددة

إنى أفك ايديا المتخشبين عالدريكسيون

أفك شعرى

أفك أول زرار من القميص

أقلع الجزمة

الشوز أو الحذاء عدم اللا مؤاخذة

أفتح الشباك

أغمض عينى وأرجّع راسى ورا لمسند الكرسى


ماشوفش قدامى غير موتوسيكل

موتوسيكل يا رب، وييجى هو راكبه

وأنا وراه

عالطريق السريع

شعرى مفكوك وأول زرار من قميصى

وكمان من غير جزمة

بس بقى هه


آخد نفس عميق وأقول لروحى

خلاص، كل إللى فاضل يومين على فبراير

والربيع قرّب ييجى

أشيل فيشة دماغى من الكُبْس


وصوت موتور العربية لساه عمّال بيزن

يزن

يزن

يزن

يزن


الصورة من الفيلم الفرنسى " آميلى" لأودرى تاتو

الثلاثاء، 26 يناير 2010

أرشيف

ذلك اليوم من ذلك الشهر فى ذلك العام

"أين ذهبَت؟ ...كتبت عنكِ ورقة كهذه ولكنى لا أجدها الآن، بحثت عنها بين أكوام الورق وليس لها أثر...المفترض أن تكون فى ترتيبها الصحيح، كل الأوراق مرتبة ما عدا هى...تلاشت....يجب أن تقرئيها..."

مسحت بعينيها الحجرة المغمورة بلون الشمس المائلة للغروب، توقفت قليلاً عند فراشه الصغير الموضوع بشكل عرضىّ أسفل النافذة المفتوحة بستائرها الشفافة...حدثت نفسها أن ثمة شيئاً ناقصاً فى هذا المكان، وأكملت عينيها تأمل بقية التفاصيل، مروراً بالمصابيح المطفأة و مكتبته ومكتبه، أقلامه وعلبة سجائره، أقراص الحبوب المنومة و أفكاره المبعثرة وعقله المتدحرج هنا وهناك، إلى أن انتهت به قابعاً فى ذلك الركن بين المكتب والفراش...يوليها ظهره ويعكف على تفتيش الأوراق بين يديه.....

نسيت اخباره يوماً ما أنها تكره تلك الإنحناءة فى الظهر، كانت تشعرها دائماً أنه شيخ عجوز فقد أحفاده وضاع منه تاريخه، لم يعد يتذكر أسماء أبنائه أو حبيبته، وجثم النسيان على ظهره كحمل ثقيل....

أصوات اصطدام حواف الأوراق الصفراء ببعضها، أصوات همهماته اللاعنة تأتيها وهى جالسة على تلك المنضدة الصغيرة فى منتصف الحجرة، تعجبت من أن يكون لها كرسى واحد فقط.." مال كل الأشياء هنا مُفردة وصغيرة هكذا؟..هذا الرجل سيصيبنى بلوثة عقل عما قريب"

مازال يبحث...ظنت أنه لم يعد يرى أمامه سوى الورقة المختفية، تمللت فى جلستها وأسندت مرفقها إلى المنضدة واضعة كف يدها أسفل وجنتها وهى تخبره بلهجة ناعسة:" لا تهتم، فلن تجدها على أية حال"

"لماذا؟...لماذا؟؟؟" ..... وقف بعد أن تملكه اليأس، وكالأطفال ركل بحركة عصبية من قدمه الأوراق المتناثرة أمامه على الأرض....."أريد العثور عليها، أجهل الآن ما كتبته بها ذلك اليوم، أريد أن أتذكره، أريد أن أتذكرك..أريدِك أن تعرفى كم كنت ومازلت أ......"

استدار إليها مع جملته الأخيرة وقطعها وهى يراها تتطلع إليه بوجه خالٍ من أى انفعال أو تعبير....." أريد أن أراكِ" ، قالها متماسكاً بعد أن خنقت صوته الدموع، أصابه اعياء خفيف فأسقط نفسه وتكوم على الأرض أمامها معطيها ظهره ووجهه إلى الفراش والنافذة المفتوحة، غمغم وهو يكرر: "أريد أن أراكِ"

تابعته بهدوء حتى انتهى من مشهده التراجيدى ثم قامت متمهلة لتجلس بجانبه و رفعت رأسه لتضعه فى حجرها، مرت بيدها علي شعره وهى تسأله: " لما تصر على البحث عمّا فقدته فى تلك الورقة وأنا هنا بكامل تفاصيلى معك؟ "

" خفت أن أنساكِ"

ابتسمت فى اشفاق وهى ما زالت تمسح بيدها على رأسه: " ولكنك نسيتنى بالفعل"

نهض وسألها مستنكراً :" كيف هذا إذن؟"

أجابت فى عناد: " عندما كتبت عنى نسيتنى، تخلصت مما يربطك بى من داخلك، حوّلته إلى حبر تلاشى فى ورقة أخذت دورها فى أرشيف حياتك، أغلقت عليه ومضيت، أصبحت هى الآن والفناء سواء.."

أكملت بعد لحظة صمت وقد هدأت حدة صوتها: " أردت الشفاء منّى"

ثم مدت يديها لتضع اليمنى على صدره وتلامس بأصابع اليسرى جانب جبهته هامسة: "بينما ما يستقر هنا وهنا لن يضيع أبداً"

قال فى تردد: " أنا خائف"

" أعلم"

" أشعر بالبرودة"

" أعلم"

" ربما أكون جبانأ أيضا وقليل الحيلة...أعتقد أنى من يحتاج المساعدة وليس شخصاً آخر"

لم تجب مباشرة هذه المرة، نظرت فى عينيه بابتسامة حانية وسحابة من دمع تطفو أمام عينيها، وضعت وجهه بين يديها وقربته إلى وجهها، قالت فى هدوء :" ربما عليك أن تتذكر فقط.. أن تنظر لعينى وتذكر الآن ما أردت قوله يوماً دون أن تحاول البحث عن الورقة مرة أخرى"

تأمل تفاصيل وجهها المُسلّط عليه ضوء الشمس، تمنى لو يذوب مع ذلك النور والدفء وينسى كل شىء بالفعل، وكأنما أراد التأكد من ادراكه سألها: "أنتِ معى؟؟"

أومأت برأسها ايجاباً

أزاح يديها فى رفق ورقد داخلها، تكوم فى حجرها وشعر أنه يتسع لكل جسده ويفيض..."هذا ما يهمنى معرفته الآن، ولم يعد يعنينى ما نسيته.." قالها وهو يتمتم فى خفوت ، بينما عينيه تغالب النعاس المتسلل إليها والظلال المتحركة لستائر النافذة ترتسم على وجهه وتداعبه...

ربتت عليه وهى تهدهده بحركة جسدها يميناً ويساراً...

أزاحت كتلة هواء الستائر وطارت أوراقه وكلماته حولهما، وقفزت احداها من النافذة

ازدادت الحجرة اصطباغاً بلون الغروب..

شعرت برأسه ثقيل..

ثم حلّ صمتٌ وسكون

الخميس، 24 ديسمبر 2009

confused draft

لسة مجاش الوقت المناسب؟

..............................................

بقالى كتير مقربتش من الألوان حتى لما جربت أصور كل الصور طالعة بهتانة، عايزة أشترى علبة ألوان شمع كبييييييرة أوى و ورق أبيض كتير.

................................................

مش عارفة، يمكن أكتب ويمكن لأن التفاصيل بتحركنى من جوة وعقلى كله دوشة...........

لما برسم مابشوفش قدامى غير باب مقفول لونه أبيض فى أسود واخد نص اللوحة وشباك صغير أوى متطرّف فوق على جنب....أهو هناك ، البسى النضارة كويس علشان تشوفيه

الخطوط بهتانة، الرؤية مش واضحة، كل حاجة مضببة وداخلة فى بعضها

كده الرسمة هتبوظ

أنا بتكلم عن حياتى

.......................................

.....................................

هتاكلى معايا؟

ماليش نفس

خلاص هعمل طبق زيادة

!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

يعنى مش هتقدرى تعملى حاجة دلوقتى؟

بفكر فى الترجمة

هى ليه كل الأفلام الألمانى إللى بتشوفيها بتتكلم عالحرب

كان نفسى أكون موجودة يوم ما اتهد السور

.................................................

بس بقى وما بعد ما خلص قعدت أعيط.......البنتين صغيرين وصعبوا عليا يعيشوا من غير أمهم

ما انتى لازم تخلصى من السنة دى الأول وبعدين تشوفى هتعملى إيه.......هتفضلى مسنودة على أهلك طول الوقت؟

الوقت

منا عارفة ساعة واتنين وتلاتة وأربعة يبقوا وقت

شهر واتنين وتلاتة وأربعة..

سنة واتنين وتلاتة وعشرة

.....................................................

ماعندوش أى مشاكل

لأ عنده..... ومستعد يضحى بحياته كلها.. انتى عارفة الكرامة لما بتنقح

.........................................................

إيه بقى خططك للمستقبل؟

خرجت الكمنجة من مكانها النهاردة ووقفت فى نص الأوضة وأنا سنداها على بطنى..فضلت أدندن عليها بصوابعى العريانين ييجى نص ساعة...مرة عالى ..مرة واطى..نغمة رفيعة، نغمة تخينة.. بسرعة، بشويش...حسيت ساعتها بايديا أوى، عرفت إنى لازم أستخدمهم أكتر من كده وإن العود هو الحل الأمثل

عود

ماتعودش

خايفة تنسى؟

خايفة أوتاره تعور إيديا

....................................................................


كانت الغرفة صغيرة، شبة مظلمة ، السقف عالى يتدلى منه قنديل نحاسى...الغرفة كانت منزوية فى ركن من البيت القديم، بابها ليس له باب.......لم تكن تريد الذهاب، كان يعلم وكان يريد الخروج إلى ضوء النهار ولم تخش هى الظلام

مسافة زمنية ليس لها داعى أو تأثير فى الأحداث

مازالت الغرفة صغيرة وشبه مظلمة والسقف عالى والقنديل النحاسى يتدلى منه، بينما الكرسى الذى كانا يجلسان عليه جنباً إلى جنب رجع صغيراً جداً، أصغر من السابق بكثير بعد ما كان فى لحظة ما يسع الحياة بينهما.

.............................................................

مش أنا بطلت أستخدم القلم والورق.. لقيت الجهاز فعلاً عملى أكتر

أمى بتقولى قومى نامى

لازم أكتب حاجة جديدة المرة دى..الصور الأخيرة مش راضية عنها فيها دوشة كتير، فيها حاجات كتير مسجونة

أمى بتقولى قومى نامى

الشمس مابتدخلش والإضاءة كئيبة

مالقيتيش غير مَنور العمارة تصوريه

أصله مِنوّر

أمى بتقولى قومى نامى

سأصير يوماً ما أريد...هكذا أعلنها محمود درويش

....................................................................

كان لازم تمشى وتسيب الأوضة..كان لازم يخاف ..كان لازم يشطب على حروف كلامه قبل ما ينطقها، ويكتبها ويرجع يمسحها تانى

كان لازم يسكت

ششششششششش....تركيز، محتاجة هدوء....

الكلام فى دماغى مش بيساعدنى كل يوم

كان لازم تقولى لأ

لأ، تصبحى على خير

كل واحد هينام لوحده؟

................................................

مارجعتش أحلم إلا اليومين دول من بعد ما اتكلمت وفضفت مع ربنا

هو وافق؟

هو عارف إنى بحبه

وقالك إيه؟

مش عارفة إزاى طلب منه يودينى جامع عمرو من العاص وأنا عارفة سكته لوحدى؟

المهم رُحت صليت ورجعت علطول

.................................................

أنا بتكلم عالحلم

.................................................

مالكيش مكان فى كوابيسى، أنا لا عايز أحب ولا أتحب

هى مين دى إللى عايز يقتلها؟

شكلها مرات أبوه

مين أبوه؟

معرفش أول مرة أتفرج عالفيلم

بس أنا مش فاهمة

مش مشكلتى.....

فى ناس بتفهم وعندها مشاكل أكتر

........................................................

الفقرة الخاصة بالأوضة محتاجة تعديل

عايزة أشتغل عالقصة كتير ..الموقف عادى..المنظور مختلف

وهتصورينى

ليه ماينفعش حد ما يحبش البورتريه؟ دى آخر حاجة هفكر أتعامل معاها

مش شايفاكى كويس

آخر مشهد وأنا واقفة فوق المسرح، الصالة مضلمة ماعدا النور المتسلط عليا، مغمضة عينيا وبضرب عالأوتار وشعرى منكوش فى كل ناحية وعرقى مغرقنى

بس إنتى محجبة

مش شايفاكى كويس

هو إللى مش عايز يشوف

القصة مالهاش اسم..

إنتى هتنشريها باسمك؟

ماليش اسم تانى أتحامى وراه

فاضل عليها كتير وعايزة مجهود عشان تكمل...غالبا مش هانشرها الفترة دى خالص

ليه؟

لسة ماجاش الوقت

القلم خلص، معاكى واحد سلف؟

.........................................................

أنا هنزل أشترى اسكيتش رسم وألوان شمع

طب ارسمينى

أنا عمرى ما كان ليا علاقة مع البشر رسما أو كتابة أو تصويراً

إمكانية الوصف...إمكانية الإحساس بالوصف

الوصف الحسى؟

الإحساس بالتفاصيل

هتعملى إيه بالألوان؟

أكيد هيبقى عندى فى يوم من الأيام محل الورد إللى بحلم بيه، أنا شامة ريحة البخور وسامعة من على باب المحل صوت فيروز وهى بتغنى يا أنا يا أنا أنا وياك، وشايفة كمان الصور إللى متعلقة عالحيطة

هتنزلى امتى؟ تعالى نصور طيب ، نعمل حاجة المهم نتحرك

عارفة متخيلة أول معرض ليا بعنوان شبابيك وبيبان..كلها مقفولة

وليه مش مفتوحة؟

ساذجة

كسرى صورهم جوه البراويز تنفتح علطول

..............................................................

أنا حقيقى زهقت..هرجع أكتب تانى ولازم أعدى المرحلة دى وأنجح السنة دى

أمى بتقولى قومى نامى

هشوفك بكرة؟

ماحنا لازم نبقى بكرة مش امبارح

يعنى هنعمل إيه بكرة؟

مش هيبقى زى امبارح

أمى بتقو..........

خلاص تصبحى على خير

وإنتى من أهله

سلام

باى

باى

سلام

الاثنين، 9 نوفمبر 2009

تفاصيل صغيرة


لأنها كانت تراه دائماً من زاوية واحدة...أخطأته عندما وقفت على زاوية أخرى وانحرفت فى الإتجاه المعاكس..ثم عادت إلى نفس النقطة..فى موعدها تماماً

سريعة، ضيقة، متلاحقة، لاهثة، مندفعة...تقطع الشوارع وتقفز فوق الأرصفة وكأنها على موعد تأخرت عنه..تأخذ دائماً الأشياء بالشبه..غالباً ما يحركها احساسها أكثر من الذاكرة..تتسارع أكثر خطواتها تلك... قلقة مرتابة..ليست دليلاً على ثقة أو لحاق بالوقت أكثر منها هروباً منه..تتجاوز المزيد من الصور العابرة و كالعادة تأخذ الأشياء بالشبه

شىء ما جاثم على الصدر.. .احساس ما سقط منها لتوه... هناك غلالة من دخان رمادى تسبقه خطواتها كى تتخلص منه ..تخرج من حيزها قليلاً، ويتسع الفراغ حولها لاستيعاب التفاصيل... هناك من يبيع العقود الرخيصة فى أحد الأركان..هناك من يجلسون خارج محلاتهم الراكدة، وعلى ثنية المنعطفات هناك مقاعد تتثاءب ضاجرة من يوم عمل جديد ..الكل لم ينته من كلمة البداية بعد وهى مازالت تندفع وكأنها تلحق بآخر خيوط اليوم المتسربة من يدها

المنعطف الثانى..لا، بل الثالث...تميزه بالعربة البيضاء الكبيرة التى تسد مساحة من مدخله....حتى هذه النقطة لا تدرك من ذاكرتها الكثير..تعتمد فقط على أرجلها، على صوتها، على أوامرها، على رغبتها فى التأرجح دون رسالة واضحة..تتخذ جهة اليمين فيمين آخر لتجد نفسها خارجة من المنعطف الثانى فى نهاية الأمر..متاهة صغيرة تخطىء فيها الإتجاهات..لمَ تتذكر جيداً طريق الخروج وليس الدخول؟ لأنه كان الثابت وغيره يتغير فى كل مرة؟ أم لأنها كانت تركز على داخلها أكثر من خارجها فى كل مرة؟ فتتوه منها تفاصيل الكلام فتنسى ما كان يُقال وتتذكر ما كانت تتمنى أن تسمع وتحتار فى ما تود قوله فيلوذ الصمت داخل منحنايتها الداخلية وتسقط منها صورة أو أخرى لا تكتمل إلا معها ملامح المكان...أم أن المكان ذاته نساها وسقطت كجزء طمسه الإهمال فلم يتعرف عليها؟

لا بأس ثمة طرقاً أخرى للتحايل...تترك المنعطف الثانى مروراً بالثالث دون أن تدخله ثانية هذه المرة..تسير حتى تبلغ التقاطع الأول وتدخل جهة اليمين..تلازم الرصيف ممشطة بعينيها المنعطفات الجانبية الجديدة..تصل إليه..تهم بتركه خلفها هو الآخر...تعود عدة خطوات إلى الوراء وتتأمل ذلك الممر الصغير بصف مقاعده الصامتة الغافية...لم تره خاوياً هكذا من قبل وهذه أول مرة تدخل إليه من حيث قررت أن تكون خارجة إلى الأبد..نعم هو..فلتكن إذن أول الموقظين.

تذهب لتجلس على المنضدة المواجهة تماماً للباب...تتأمل المكان من حولها..الذبول بدأ يزحف على الأشجار..ريح باردة خفيفة تحاور المقاعد التى لم يأت من واعدوها بعد...نهار قاهرى يتحسس الخُطا، وكأن العالم فى إجازة مفتوحة اللهم إلا من بعض المتسربين المتناثرين هنا أو هناك

على العكس يبدأ نهارها مبكراً جداً، مرهقاً جداً، مشحوناً جداً بقوة الدفع والتلاطم مع كل شبر تخطوه فى شارعها الضيق، مع كل وقفة تتأوه بأنين أنثوى خافت تغيرها بقدر الإمكان محاولة التماسك و هى محشورة داخل علبة صفيح اسطوانية تتحرك على أربع ، قاطعة أكثر من ثلاثين محطة ملّت أسماءها

على العكس ساد السكون وغيمت السماء قليلاً لكنها لم تمنع انتشار بعض الضوء الرقيق...دقائق تمضى تقطعها تلك المقارنة السريعة ويخرج واحد تلو الآخر من جحره عابراً الممر أمامها ويخرج ذلك العجوز من باب دكانه المنقلب على نفسه ليسألها أى مذاق تفضل هذا الصباح..يدلف إلى عالمه المتبعثر ملبياً طلبها وتنشغل هى بتغيير وجهة المقعد لتصبح مواجهة للمنضدة الصغيرة فى اتجاه ممر دخولها الذى كان خروجاً وظهرها للممر الذى كان دخولاً ولم تحسم أمر تحوله بعد...تضع حقيبتها على المقعد المرافق، فلكل منضدة مقعدان لا أقل ولا أكثر فتشفق على أحدهما وتطلب من حقيبتها إشراكه فى ثنائية الحياة

فى ساحة الإنتظار يأتى العابرون الذاهبون..تتلون المقاعد الشاغرة بأحجام وأشكال مختلفة وتكتسب ملامح متنوعة الأغراض تتفق فى شىء واحد فقط : الوقوف قليلاً فى ممر يفصل بين دخول وخروج..الجلوس لبرهة لترتيب الخطوات وتحديد الإتجاهات: من أين ندخل؟ من أين نخرج؟ من أين تبقى حيث نحن؟ من أين نأبى المكوث وإلى أين يتعذر علينا الوصول؟

فى ساحة الإنتظار تتمزج رائحة النرجيلة مع أخبار الصباح الطازجة على صفحة السياسة الحمقاء مع نشوة القهوة مع حواديت الأمس المُعادة كل يوم...تأتيها رائحة القهوة من خلفها تماماً..تتشبع بها وتقلّبها مع انسجامها وهدوئها الذى هبط فى خفة لتوه..تنتشى بها وتتذكر شبح فتاة خلفها ضائعة فى متاهة صغيرة وتودع من أمامها على عتبة الممر خطوات متعثرة يحركها توتر مشحون ..تودعها وتنظفها عن حذائها الملامس دائماً للأرض، وتفكر فى امرأة تشرب قهوتها فى كوب من خزف بُنى محروق ساعة عصارى فى شرفة بيضاء برائحة القرنفل..........امرأة؟؟؟؟ تفكر فجأة أنها الأنثى الوحيدة فى المكان..تفكر فجأة فى المعنى......امرأة؟؟؟...ترى أنه ما من أحد يهتم..ما من أحد ينظر بغرابة..اعتادوا المنظر أم أصبحت جزء أساسى من تفاصيل اللوحة؟ لو انتشلت نفسها مع المقعد والمنضدة وحقيبتها على المقعد المقابل لوجدت عنواناً يعصى على التفسير، لوجدت أنها تسد بالحقيبة نقصاً ما..كل ما تدركه أنها لا تريد المقعد فارغاً ..تريد ما بداخلها كاملاً ..تريده أن يأتى و يزيح العبث جانباً ويجلس مكانه.. وينظر إليها..يصمت فقط...فقط أن يكون لأحدهما الجرأة على النظر إلى الآخر أطول فترة ممكنة... فى صمت ..أن ترى فى صمتها وصمته ذاتها..أن تشعر أنها حقا....امرأة؟؟؟..تدرك سخرية الشعور..تبدأ فى التأقلم على وضعها الجديد من كونها تعلّى من إحساس كونها- فلتنس كلمة فتاة- امرأة!!

عند محطة الوصول يأتى العجوز

و بعد أن تُحلّى البخار المتصاعد بملعقتين من سكر وتُوازن سخونة الكوب برشفة ماء بارد من الكوب الآخر، تأخذ بين يديها رائحة الشاى وتدخنها على مهل..تعود بظهرها إلى الوراء وتنفث دخان استرخائها....وكاتفاق مسبق تسقط فى حضنها ورقة شجر خضراء تميل إلى الصُفرة ..تتأملها بابتسام مشفق وتضعها أمامها على المنضدة... وكدائرة كونية مغلقة تجيد التواصل معها تسقط ورقة أخرى على حقيبتها ..تبتسم حقاً..تنهض لتتناول حقيبتها مع ورقة الشجر و تمسح التراب من على جانبيها هى وقرينتها الأخرى ..تضعهما معاً برفق بين ثنايا كتاب بالحقيبة.. تحملها وتقف فى مكانها قليلاً لتتأكد من ثبوت قدميها على الأرض.. تتأكد من هندمة تنورتها الكتّان الواسعة وقميصها ذى الأكمام المنتفخة ومن وضع وشاحها الثابت معقودأ خلف رأسها ، وتذهب... . تخرج من جهة الدخول لتكتشف أنها خارجة من المنعطف الثالث، وما كان عليها فى بادىء الأمر إلا الانحراف يساراً وليس يميناً......

تتباطىء الخطوة المنسجمة مع الطريق المنضبطة زواياه ويتسع الابتسام لإختزان التفاصيل..تستحضر صورة الرجل الذى راقبها باستغراب ...له الآن الحق فى أن يتعجب ممن تتقمص دور غجرية تدخن النرجيلة على مقهى شعبى، فهى امرأة....تهوى جمع ورق الشجر.


الصورة لفان جوخ