الجمعة، 23 سبتمبر 2011

والباب تحت البيت مش حديد !

يحدث كثيرا هذه الأيام، أن أبدأ بكتابة نص جديد، فأقف في المنتصف وأفقد الحماسة، أزيل السطور المكتوبة وأغلق الصفحة البيضاء دون أسف، أو أحفظها على ما كتبته على أمل أن أعود إليه وأنا أعرف أني أبدأ في نسيان أمره من الآن !
***

يحدث كثيرا، أن أنير ضوئي الأخضر وأنا جالسة أتفقد صفحات ونوافذ عديدة، معلنة أني مهيئة الآن للحديث، ولكن بعد دقائق أفقد اهتمامي وأسألني ما الفائدة، ليس هناك جديد، ستظهرين دائما الفتاة المحتاجة للمساعدة، أو ستصدّرين حسك الساخر في المقدمة، أو ستشعرين بألم خفيف للمرة المائة بعد الألف !
***

يحدث أني أبحث عن فيلم جيد للتحميل أو منسيّ بين كل تلك الاسطوانات، ولكن إما تكون النسخة رديئة أو بها عطب، أو أشعر بملل سريع بعد أول عشر دقائق فأغلقه وأبحث عن آخر لينتهي بي الأمر ممدة على الأريكة أستمع لصوتي الخاص مع افتقادي لأن يكون البيت فارغا، حتى أستطيع تشغيل مكبرات الصوت كما يحلو لي والاستغناء عن سماعات الأذن التي أصبحت عضوا زائدا على جسدي !
***

للداخل دوما، كل الأصوات للداخل، ويحدث أيضا بين النوم واليقظة أن أشعر بمدينة كاملة داخل عقلي، أشخاص يتحدثون في سوق أو تجمع كبير بأحد المقاهي .. أستمع إليهم وإلى حوارات كاملة تدور بينهم، أحيانا يتحدثون بلغة أجنبية، أحيانا يقرأ أحدهم أبيات شعرية لا أدري من أين جائت، أحيانا يدلي أحد آخر بنظرية أو حكمة قصيرة تلخص إحساسا عاما مبهما بداخلي ... دائما يقولون أشياء هامة، ودائما ما أنسي كل شيء حين أفتح عيني وأتنبّه، لا يعلق بذهني حرف واحد من صخبهم ولا أدري إلى أين ذهبوا !
***

يحدث أني أرغب بمحادثة أحد الأصدقاء أو بعث رسالة نصية صغيرة أرغب فيها بحق الاطمئنان على الحال أو التعبير عن افتقادي ووحشتي، ولكني فجأة لا أستطيع، وكل ما يدور في رأسي أني أصبحت كائن خارج الدوائر، خارج السياق، ويرن في رأسي كلمات من تمنيته أبي وكلما رأيته رغبت فى احتضانه: "جو الدنيا ضبابي / ولا حد حاسس بحضورك / ولا حد حاسس بغيابي"*
يحدث أنه لم يعد لي أصدقاء، والإحساس الساذج بالسعادة الغامرة أننا سنكون معا بعد غياب يتبدد، ويحل محله كذبة صغيرة تجعلني لا أعرف كيف أصدق بسهولة بعد ذلك، وتجعلني أفكر جديا فى التعود على العيش بمفردي. لا أستطيع، لأني أريد فقط أن أكون قريبة من أحدهم، ولكني لست على يقين أني أمثل هذا الفارق. ويحدث أن أسال ما الضرر إن بقيت هكذا، لا بعيدة ولا قريبة. ما أملكه ليس لي على أية حال !
***

يحدث أني أبكي الآن رغما عني، بعد أن تعلمت شجاعة ألا أتردد في إظهار ضعفي. أمسح دموعي سريعا خشية أن تدخل إحداهن عليّ فجأة وتستنكر عليّ حرية أن أبكي وقت ما يحلو لي ودون شرط إبداء الأسباب. أتنفس بعمق وأنتظر رحيل ذلك الضيف الكريه صاحب الرائحة النفاذة المدمرة للأعصاب، وأتمني ألا يكون التهم تورتة الشيكولاتة بأكملها !
***

حدث أن كتبت إحدي النساء الدافئات بحياتي تُعرّف الأسي، وكيف يكون الاحتفاظ بابتسامة محايدة أواجه بها كل أفراح وكوارث العالم دون تغيير طفيف في ملامحها، كيف يحدث ألا يحدث شيء، أستيقظ لأمرر يوما زائدا من عمري، وأنام ليأتي سريعا الذي يليه. أريد لأيلول هذا أن ينتهي، وكأني في بيات خريفي إلى أن يأتي نوفمبر، تبدأ وتنتهي عنده كل الأشياء !
***

يحدث أني دائما أتخيل السفر فجأة، أو المرض فجأة، السعادة فجأة، أو الحب الآن ... هكذا، بسيطا ومفاجئا. ولا أريد له أن يأتي أبدا في نفس الحين. فحدث أني لم أستطع التفاعل في إحدى حفلات فرق الروك الشرقي الصاخب وظللت جالسة مكاني طول الوقت، أتمايل قليلا مع بعض الجمل اللحنية، وأصفّق في النهاية كإجراء روتيني، فتتردد في خلفية رأسي جملة لا تنتمي لهذا المكان: "عشان خاطري بلاش تبصلي تاني بالنظرة دي، نظرة إنك عمال تخبط ع الباب وأنا قاعدة جوا وعارفة إنه انت ومصممة إني مافتحش. ماتبصليش كدا يا إما تكسر الباب، يمكن مش عايزة أقوم أفتح لأني فعلا عايزاك مرة تكسر الباب ..."
وحدث أن الحفلة انتهت وذهبت دون الشعور بانفراج أية أبواب !
***

الحادث أني زاهدة في الكتابة وفي أية نشاطات حيوية غير الرسم. عادت إليّ الألوان بطريقة ما، وانفعلت معها لأني لم أتوقع استمرار إحساسي بها بين يدي بنفس الطريقة حتى الآن، رغم جفائي وهجراني . تفاجئت بلوحة لزُهرية فارغة، تنمو فروعها الخضراء خارج عنقها الضيق. وقفت بذهول أمام تكوين لوجه فتاة غير متناسقة الملامح، جمعت فزع البشرية بأكملها في عينيها. والثالثة لم أنهيها بعد، بوجد بها بحر هائج وقمر نائم، مركبين وروح فتاة تحلق من فوقهما !
***


أخيرا، أخيرا عرفت لماذا بُنيت الأهرامات، حدث أني رأيت فيلما تسجيليا يشرح عملية معقدة عن نظام البناء وتخيُّل العلماء الغرض منه ونفْي إدعاء أنه ليس أكثر من مقبرة. علمت أن هناك مجالات مغناطيسيا تتقاطع، وطاقات تتولد، أن الطاقة موجودة بداخل كل صور الحياة حولنا، وأن الهرم الأكبر بُني في مجال تقاطُع أحد المجالات، وأنه مبني من الحجارة الكلسية، وتحته أنفاق من نفس نوعية الحجارة تتخللها ثغور كان ينفذ منها ماء النيل محملا بأشعة الشمس التي يمتصها، فتنتج طاقة، ترتفع في القنوات الموصلة إلى داخل الهرم، تحدث بعض التفاعلات بشكل أو بآخر، فيضيء الهرم ليلا كالبدر في تمامه. تحدّث المعلّق عن الأثار النفسية الايجابية لمن يعيش في محيط مثل هذا المكان. كانت أمي تستمع وعلقت بدورها أن بيتنا ليس به طاقة. أجبت أن الشمس لا تدخله من الأصل، وعرفت بطريقة ما لماذا نحن تعساء !
***


بالخارج رحل الرجل الكريه أخيرا، وجدالا أعرف أنه لا محالة قائم بين أمي وأختى. رغبة أمي في القفز إلى تفاصيل الزواج، وحذر أختي وتأكيدها أنه ليس من المضمون إتمام الخطوبة من الأصل. أشعر بالغضب كأنها تقف في منطقة البين بين، تحاول إقناع حالها أنها قد تكون هى الفرصة المنتظرة وليس من التعقل أن ترفض المبدأ من بابه، ومن ناحية أخرى تحاول طمأنة روحها وقلبها الرافض أنه قد يحدث أي شيء ينسف الفكرة من أساسها. لا تريد أن تكون هي من يأخذ القرار بالرفض، مع أنها التي وافقت على فتح الباب من البداية. يحدث أني ألعن الزواج في كل دقيقة الآن وأضحك كلما تذكرت قول صديق افتراضي جميل تعرفت عليه مؤخرا ويعاني في بيته من نفس الظروف: "يا جدعان أنا مش هتجوز، أنا هنحرف !!"
***


حدث عندما رأيته ذلك اليوم، لم أكن أنوي يومها الخروج وعبور باب البيت، وما أن التقت عيني به مرت جملة سريعة بخاطري، أني أعرفه جيدا. كان دافئا رغم أني لم أنتبه كثيرا لوجوده، ولكني كنت ألمحه مستمعا، مبتسما، يحمل تلك النظرة الهادئة التي كنت أسأل قبلها بأيام، هل من الممكن أن يملك رجل تلك النظرة وهو ليس متزوجا أو غير متورط بعلاقة مفتوحة. نعم كان يعتريه قلق خفيف ككل تلك الوجوه المضجرة بعناء البحث عن مرفأ. ما أن ألتفت إليه حتى أشعر وكأنه ثمة من يعلم بوجودي وينتبه له. نظرته مميزة، مريحة، ودعابة صديقتي في نهاية اليوم عندما خيرتني بالذهاب معها ومعه أم مع الآخرين وقلت لها دعيني أذهب معكِ، فقالت تتحدث عنه " تعالي *** ابن حلال والله"، حينها نظر نحونا بعد أن سمعها حاملا نفس الابتسامة الواسعة الدافئة، فأدرت وجهي وتمنيت لو أتلاشي من شدة خجلي. قالت بعدها أن حياتها لتغيرت بالكامل لو كان مناسبا لها، وحدث بعدها أن ارتطمت كثيرا باسمه هنا وهناك، أسفل صورة أو قصيدة نثر مرعبة في جمالها. حدثت نفسي أن لو أتى اللقاء الثاني، فأتمني من أحد أن يطفيء عقلى ويفتح جميع أبوابي الداخلية الصدئة. كيف لم أشعر بكل هذا الجمال وهو إلى جواري؟!
***

قبل ملايين السنين من يومنا هذا لم يحدث أن كانت هناك حياة. الأرض كانت عبارة عن كرة ثلجية متجمدة من القطب إلى القطب مرورا بخط الاستواء. فسّر العلماء ذلك بنقص شديد بنسبة ثاني أكسيد الكربون الذى يساعد على تدفئة الأرض. بقي الوضع هكذا لمدة 25 مليون سنة، وفجأة حدث أن انشق بركان هائل واندفع من تحت الأرض، الغازات المندفعة منه إلى جانب الحمم البركانية أعادت التوازن مرة أخرى وذاب الجليد، في حين أن أشعة الشمس الساقطة على قطرات المياة تفاعلت معها وأنتجت نسبة هائلة من الأكسيجين الذائب، فتحولت البكتيريا الزرقاء وحيدة الخلية والمقيمة أساسا بمياة المحيطات إلى كائنات متعددة ومنقسمة الخلايا وأخذت دورتها في سلسلة التطور. يكفي أنها في العصر الجليدي كانت تستطيع التكيف مع الظروف المستجدة طيلة هذه المدة بطريقتها الخاصة حتى جاء الدفء مرة أخري. تقول عالمة جيولوجية أن كرة الثلج كانت أشبه بكارثة، لكن في مضمونها كانت بداية لحياة جديدة، وسبب في وجود حياة متنوعة حتى يومنا على سطح هذا الكوكب. 25 مليون سنة إلى أن أتى البركان ... أظن أنه مهما طال البرد، فلن يستمر !
***




* الأبيات لأمين حدّاد !








الاثنين، 5 سبتمبر 2011

على فكرة

(17)
من يومين كنت بسوّي قهوة بس فارت منّي وأنا واقفة قصادها. دلقتها في الحوض وسويت فنجان تاني، رحت عشان أشربه فى الصالون وأكمّل قراية "نساء يركضن مع الذئاب" على اللاب توب. بعد ما خلص الفنجان كنت وصلت للفقرة اللي بتقول:" ونحن نعرف أن جوهر الروح يمكن جرحه أو حتى تشويهه، بيد أنه من المستحيل قتله. من الممكن إيلام الروح أو قسرها، إيذاؤها أو جرحها، من الممكن أن نترك عليها علامات السقم واصفرار الخوف، إلا أنها لا تموت. (...) فالعظام ثقيلة بدرجة كافية لأن نجرح بها، حادة لتشق مجراها في اللحم، وعندما تكبر فإنها ترن كالزجاج عند النقر عليه"
وقفت قدام الكلام شوية، وغيرت قعدتي عشان أسند اللاب على رجلي، وفجأة سمعت صوت حاجة بتقع. بصيت تحتي، وفضلت ساكتة مكاني لدقايق وأنا مستغربة إزاي لما الفنجان وقع على الإزاز بتاع الترابيزة فضل سليم، والإزاز هو اللي اتشرخ !

(18)
مغلوبة على أمري بلاقيني مبسوطة، أول ما بحس إنك فعلا وحشتني !

الاثنين، 29 أغسطس 2011

aphthous ulcers*

أعتقد إن كل حاجة اتجمعت واتكثفت وحصلت عند النقطة دي: "الآن أصبح الهدف من كدها اليومي هو العمل على إشباع الروح والسعي إليها، ولم يعد محصورا فى نطاق ذهني ضيق أو وظيفة محدودة أو علاقة قاصرة، تعرف الآن بفطرتها متى يتحتم أن تموت الأشياء ومتى ينبغي عليها أن تحيا، وكبف تبعد وكيف تبقي"**

****

خليني أرجع من الأول !!

حكولي اني اتولدت في المدينة يوم جمعة 13 رمضان (أول يوم بالأيام القمرية)، خرجت للحياة ساعة آدان العصر، بمستشفى جنب الحرم النبوي، على ايد دكتور سوداني !

لحظتها كانت أول مشكلة واجهتني بحياتي، عندي مشكلة في التنفس، ودا كان نتيجته اني قعدت 17 يوم بالحضّانة، بعيدة عن البيت، بعيدة عن أمي، عايشة في صندوق إزاز جوا أوضة معقّمة، درجة حرارتها مظبوطة، مفيش صوت حواليا مش في مكانه ... 17 يوم لوحدي فى حالة انعزال وصمت، مارضعتش طبيعي وأول حاجة دخلت معدتي كانت مضاد حيوي. بابا كان الوحيد اللي بيزورني، كان بيزغزغني فى رجلي عشان يتأكد إني لسة معاهم !

حكولي إنه جدتي لأمي كان زعلانة لأني برضه بنت، وأمي تقريبا كانت واخدة على خاطرها، وإنه فيه صديق لأبويا تنبأ لي ساعتها بمستقبل عظيم إني لما أكبر هكون أحسن واحدة فى العيلة دي كلها. الفكرة، ماكنتش موجودة أصلا ف الخطة، اخواتي الاتنين كانوا كفاية، بس اللي حصل انهم اتفأجوا بوجودي !

بابا قال إني هكون العصايا اللي هيتسند عليها بعد ما اخواتي يسيبوا البيت وهو يكبر ويعجز، أنا اللي هفضل معاه، ومش هيشرب كوباية المية إلا من ايدي......... كانوا عايزين يسمّوني هاجر أوخديجة أو زينب، أسماء إخواتي غيّرت رأيهم. شيرين ودينا ما ينفعش ييجي بعدها إلا نُهى، وبنفس الوقت اسم موصول ذكره بالقرآن، دلوقتي بقيت أسمعه أكتر فى الأغاني !

حكولي كمان، إنه بعد كام شهر كنت فى البيت، مفيش حد معايا إلا بابا. بالصدفة فتح باب الأوضة عليّ عشان يكتشف ان التكييف سحب كل دخان عربيات الرش من برا في الشارع، والأوضة كانت عبارة عن ضباب. خرج بيَّ من العمارة كلها، وربنا ستر !

****

كنت طفلة هادية مابتحركش كتير من مكاني على حسب كلامهم، دا كان بس فى البيت. في الشارع أول ما رجلي تلمس الأرض يبدأ الطقس المعتاد، أطلع أجري فى السوق بدون أي داعي وهما يحاولوا يلحقوني قبل ما أتوه. مرة نزلوني ع الأرض وبرضه طلعت أجري بس كنا ساعتها بمستشفي. اتخبطت جنب عيني الشمال فى حرف مراية كبيرة معلقينها بالاستقبال ونزفت. كانوا رايحين أصلا عشان سبب تاني بس اللي حصل إنهم جريوا بيَّ زي المجانين يلحقوا الجرح والدم اللي نازل منَّي. لما سألت ماما قالت إني كنت ساكتة طول الوقت، ماعيطتش ولا خفت وكأنه شيء بيحصل لحد تاني غيرى. أثر الجرح لسة ظاهر تحت عيني لحد دلوقتي، وبتنرفز من منظر الدم قدامي !

بعدها بكام سنة، أنا بقيت واعية ومش محتاجة حد يحكيلي وفاكرة كويس اللي حصل. بلعب ورا بيتنا القديم وواقفة فوق جزع شجرة مقطوع. نطيت من فوقيه عشان أنزل على غطا مكسور لبلاعة مجاري .... أمي أنقذتني فى الوقت المناسب، لمحت خيالي فى الميّة فمدّت ايدها طلعتني، وأنا تحت بحاول لسة أستوعب هو ايه اللي بيحصل. بابا كان آخر واحد يوصل البيت بعد ما بيوت الشارع كلها اتلمت عندنا على صوت أمّي. كنا تقريبا ساعة العصرية وأمي لفاني بفوطة كبيرة بعد ما استحميت ومقعداني على حجرها. دخل من الباب هادي ومبتسم، تقريبا فاكرة إني ساعتها ضحكت !

ولسة بخاف أنزل البحر ورافضة أتعلم العوم نهائي !!

****

الدنيا مشيت لطيفة أحياناً ورديئة أحيانا، كان عندي حساسية موسمية على صدري، بتجيلي كل شتا لحد ما بقى عندي 9 سنين، وفي نفس الفترة تقريبا كنت بعاني من صداع مزمن، كان سيء لدرجة بشعة، بس كل نتايج الأشعة المقطعية وفحوصات الدكاترة أثبتت إني سليمة مفيش أي مشكلة عضوية بعاني منها !

أول مرة فقدت فيها وعيي وأنا عندي 10 سنين، كنت واقفة الصبح فى طابور المدرسة. أول مرة فقدت فيها حد قريب وأنا عندي 11 سنة، لما بابا مات، قضيت بعدها أيام كتير ساكتة بفكر إزاي دا بيحصل. أول مرة اتحركت فيها مشاعري ناحية ولد وأنا عندي 12 سنة. أول مرة لبست فيها الحجاب وأنا عندي 13 !

****

الفجوات الزمنية ليها مساحة كبيرة، عقلي أحيانا بيواجه قصور استعادة تفاصيل أوقات بعينها، مش هبالغ لو قلت انها ممسوحة من ذاكرتي مسح، ومفيش أي شيء مشترك مع الأطفال في نفس سني ممكن يربطني بيهم دلوقتي، كان ليَّ تاريخى الخاص، او ماكنش فيه حاجة بتحصل، مفيش حاجة أحكيها . إلا لو حد طلب منيّ أحكي عن أيام محلة موسي اللي بتجيني فى الأحلام لحد دلوقتي، وأحكي لما في يوم بعد العصر وكلهم نايمين وبابا عند جارنا قررت إني أهرب م البيت وأروح أستخبى عند واحدة صاحبتي فى آخر الشارع بعد ما أمي رفضت إني أخرج ألعب إلا بعد ما هما يصحوا م النوم. ساعتها بيوت الشارع كلها اتلمت تاني وأمي دورت عليَّ فى الترع والمصارف لاكون عملتها بجد. ما أنقذنيش منها غير بابا وهو واقع م الضحك بعد ما رجعتلهم و بيحاول يفهم أنا عملت كدا ليه !

****

في سنة أولي جامعة، ظهرت عندي أعراض مرضية جديدة، حساسية وحكّ جلدي بمنطقة معينة من جسمي ، الدكتور قاللي انه مفيش سبب عضوي واضح غير انه فيه مناطق معينة من الجلد بتكون ضعيفة بطبيعتها –أنا شخصيا بفسرها بقصور في نمو الخلايا – والعامل النفسي زي التوتر العصبي والوقوع تحت ضغط بيساعد على وضوح الضعف دا بترجمته إلي مرض عضوي. فهمت بعدها انه فيه مادة اسمها الهستامين هي اللي بتسبب الحساسية لما نسبتها بتزيد فى الدم نتيجة لحدوث أي اضطرابات، النسبة الزيادة دي كفيلة بإنها تأثر على الشعب الهوائية وتخليها تنكمش، لو النسبة أعلى فالحالة بتتطور إلى انسداد وصعوبة شديدة فى التنفس ممكن تأدي فى بعض الأحيان إلى الوفاة ... دا اللي كان مكتوب فى النشرة الداخلية لمضاد الهستامين.

خفيت من الحساسية بعد ما السنة خلصت وحولت لكلية تانية. وإن كانت بعد فترة طويلة رجعت تزورني تاني فى نفس المكان على فترات متباعدة وتمشي تاني لوحدها. دا ممكن يفسر السبب في النغزات اللي كانت بتجيلي فجأة بصدري ناحية الشمال، إحساس انه قلبي بيتعصر، وبينتفض من مكانه. فترة عدت عليَّ كانت النغزات شبه مستمرة ولما تيجي ممكن تقعد لمدة عشر دقايق متواصلة. لكن نفس الكلام قاله الدكتور، قلبي سليم، مفيش شبه احتمال واحد بيأكد انه عندي مشكلة عضوية. كلامه كان معايا بعيد عن الطب، سألني عن طبيعة حياتي وبقضّي يومى إزاي، وطلب من أمي تسيبني أخرج بشكل منتظم مع صحابي وأغير جو وأروح أماكن مختلفة، ومفيش مشكلة حتى لو جربت مرة وأكلت من الشارع هو نفسه بيعمل كدا !

****

الشهر دا كان أول مرة من فترة طويلة ترجعلي النغزة تاني، قعدت يوم ومشيت، وبعدها بكام أسبوع قضيت اليوم كله فى السرير بسبب صداع هو الأسوأ من نوعه من سنين، لحد دلوقتي مش قادرة أحدد سببه إذا كان مقدمة صداع نصفي أو التهاب جيوب الأنفية، أو مجرد الإحساس اللي سيطر عليّ قبلها بيوم لما حسيتني محبوسة، محشورة فى زاوية معينة ومستمرة في أخد خطوات عارفة انها ماتناسبنيش، كله لأني لسة مش عارفة البديل .... اليوم اللي بعده كنت لسة بعاني من آثار الصداع وخرجت أفطر مع ناس كتير، الدنيا كانت حرّ و دوشة ودخان السجاير كان معبّي المكان. قبل ما أمشي بربع ساعة قعدت أنا وغادة وسمية نغني سوا بصوت عالي، ولما روّحت اكتشفت اني مش حاسة بأي ألم أو وجع وإن الصداع خفّ تماما !

****

أيام بسيطة عدّت، صحيت م النوم فجأة بألم شديد فى لساني، أغرب مكان ممكن يوجعني فى جسمي !! أخدت أدوية إجرائية والألم مستمر، وهنا كان لازم ييجي دور الدكتور. ماسابش هنا أي فرصة لأي سبب تاني ورا الألم، كان ممكن تكون حاجة سخنة شربتها، بكتيريا أو فطريات. لكن قاللي بكل وضوح وثقة إني عندي قرحة بلساني وأنه سببها نفسي فى المقام الأول نتيجة الوقوع تحت ضغط ذهني ونفسي شديد. شرح لي إنه جزء من الغشاط المبطن للسان اتشال بالبلدي يعني، أو بتفسيري أنا، الخلايا اللي بالمنطقة دي قررت انها تنتحر وماتت، لأنها كانت أضعف من تحمل الضغط فمشيت وسابتني ببساطة .....

اندهشت لكلام الدكتور، وماكنتش متخيلة ان كل الأسباب هتفني ويبقالى السبب دا فى النهاية. ما فكرتش غير فى حاجة واحدة، الجزء الصغير الحي منّي اللي قرر انه يمشي وما يرجعش. غير الجزء اللي كان بلساني ممكن يبقى فيه مناطق تانية أنا معرفهاش، فى المعدة، فى المخ، فى الرئة ... أو فى القلب. وأنا بعاني دلوقتي وبتألم عشان أرمم مكانه، مكان الحفرة اللي خلقها وراه !

****

ايه هي مسببات حزني، ايه اللي ممكن يخليني حزينة أو شبه تعيسة دلوقتي مع إنه مفيش أشياء كارثية بتحصل. حياتي عادية، عادية جدا، وبالذات الأيام دي، شبه خاوية وفارغة أكتر من أي وقت تاني. ممكن الحاجات اللي بتمشي، والحاجات اللي دخولها أصعب م الأول. الصدمات الصغيرة اللي بتهز ثوابت كانت صمام أمان وبتنجّيني وأنا على شفا الوقوع. مش أنا لوحدي اللي بيحصلى كدا يعني، مش أنا لوحدي اللي بسقط سهوا من حسابات الدفا والمحبة والقرب في أوقات، وبتتخلق بيني وبين الناس مسافات في أوقات تانية، مش أنا لوحدي اللي بحاول أدور على دواير جديدة تناسبني تقلل شوية من إحساس السقيع والجمود وبلاقيني متعلقة في منطقة برزخية بين البينين وماعنديش طاقة كافية للبدء من أول وجديد. مش أنا لوحدي برضه اللي استغلت فرصة كون الدنيا بقت فاضية وساكتة حواليها فقررت تصاحب نفسها ودا يكون نتيجته انها تكتشف حقايق صغيرة عن حالها كانت موجودة طول الوقت، بس هى مكانتش عايزة تشوفها. مش أنا لوحدي اللي عندها 23 سنة ولسة بتحاول تعرف فين أول سكة اللي هتمشي فيها أول خطوة، مش أنا لوحدي اللي لسة ماتقلهاش كلمة بحبك أو حتى معجب بيكي، مش أنا لوحدي اللي بتحاول تقتنع انها لسة صغيرة أوي وإن الحياة لسة ياما هتشيل وتحط.

****

تلات حاجات مسيطرين على تفكيرى: لما كنت صغيرة أوي، وبابا كان ينام ع السرير ويتني رجليه عشان يعملهم مسند ويسند ضهرى عليهم، ويحركهم بشويش يمين وشمال عشان يخليني أنام.

رغبتي إن عايزة أفتح باب الشقة وأطلع أجري.

تفسير غادة لحلمي لما أخدتني من ايدى وشدتني معاها عشان كانت عايزة تروحني البيت، تفسيرها بإنه البيت دا مش مجرد المكان اللي بسكن فيه، دا مكاني الحقيقى، المكان الوحيد اللي ممكن أنتمي ليه بقية عمرى. وفي نفس الوقت تركيزى فى الحلم على حزني وهلعي وخوفي من الأشباح اللي بتطاردني وعايزة تقتلني وعياطي لغادة وكلامي وسط دموعي انه مش هينفع، وهى مصممة تشدني من ايدي وتروحني البيت !

***




*الاسم العلمي لمرض قرحة اللسان

** من كتاب "نساء يركضن مع الذئاب" لكلاريسكا بنكولا

السبت، 13 أغسطس 2011

قبل أن تختفي كالدخان !

"كانت سوماير رومانسية ميؤوسا منها، متمسكة بأنماط معيشتها –بريئة فى طرق حياتها، إذا أردنا وصفها بشكل لطيف"

"أشعر بشيء بغيض لإدراكى طول الوقت والطاقة الذين هدرتهما دون هدف"

"توصلت إلى قناعة أن بقاءها هناك مضيعة للوقت"

"أقضى وقتا مرتبكا أكثر من الأوقات التى بلا ارتباك"

"يسير العالم ببطء مع الفتيات البريئات الغبيات وأنا مجرد واحدة منهن، واعية أننى أطارد أحلاما لن تتحقق، عليّ أن أقفل غطاء البيانو وأهبط من فوق خشبة المسرح قبل أن يتعذر ذلك"

"لم تكن بحاجة إلى التسرع، إذ إن أمامها وقت طويل من التحولات"

"أحيانا أشعر، لا أدرى، بالوحدة. ذاك الشعور بالعجز حين يتمزق كل شيء أنت معتاد عليه، كما لم تعد هناك جاذبية وتُركت لأهيم فى الفضاء الخارجى دون معرفة إلى أين أنا ذاهبة"

"يستحوذ عليّ شعور غريب بأنى لم أعد كما كنت. يصعب عليّ أن أجد العبارات المناسبة، لكنى أظن كما لو أنى كنت مستغرقة فى النوم وجاء شخص وفككنى قطعا ثم أعاد ترتيبي ثانية بسرعة"

"ها أنا الآن داخل دائرة مغلقة أدير دولاب مغزلي. كنت أدرى أنى لن أبلغ مكانا، مع ذلك داومت على الغزل. وَجَب عليّ ذلك، عليّ الحفاظ على ذلك وإلا لن يكون بإمكاني البقاء على قيد الحياة"

"كل شيء سُكب على أرض المطبخ، الملح والفلفل والطحين والنشاء. كلها خُلطت معا"

"كثيرا ما أزعجنى التفكير أنى لا أقدم صورة موضوعية عن نفسي"

"يشبه ما نعرفه وما لا نعرفه فى العالم الذى نعيش فيه التوأم الملتصقين معا، لا يفترقان ويوجدان فى حالة من الارتباك"

"فى داخلنا يتقاسم ما نعرفه وما لا نعرفه المكان نفسه، يقيم الناس حائطا كي يرتاحوا، هذا يجعل الحياة أسهل"

"الواقع مختلف. الواقع يلسع"

"ينبغى أن تكون إحدى قواعد الواقع قبول ما يصعب إدراكه وتركه على حاله"

"ألا أصرف كل وقتي وطاقتي فى سعي عديم الفائدة؟ حاملة دلو ماء سائرة إلى الموضع الذي يكاد يغمره السيل؟ ألا ينبغي أن أتخلى عن جهودى غير المجدية وأنساب مع التيار؟"

"سأعبر هذا الجسر عندما يحين الوقت"

"مع مرور الوقت، بدت كل الأشياء التى تركتها خلفى كأنها لم توجد قط"

"هجعت حياتي الحقيقية فى مكان ما ووضعها شخص بلا وجه فى حقيبة على وشك الرحيل"

"أعاد الزمن نفسه، أكمل دورته، انهار معيدا تنظيم نفسه. امتد العالم بلا نهاية. مع ذلك كان محددا ومحدودا"

"لماذا على الناس أن يكونوا وحيدين هكذا؟ ما الغاية من ذلك؟ ملايين البشر فى هذا العالم، كلهم يرنون وينظرون إلى الآخرين لإرضائهم ومع ذلك يعزّون أنفسهم؟ لماذا؟ هل وُضعت الأرض هنا لتعزيز وحدة البشر؟"

"أرواح معدنية وحيدة فى عتمة الفضاء التى لا يعوقها شيء، تتقابل وتمر بعضها بمحاذاة البعض، ثم تفترق ولا تلتقى بعد ذلك مرة ثانية. لا تتبادل كلمة ولا تقطع وعدا توفيه"

"لم تكن صداقتنا الرقيقة لتستمر إلى الأبد مهما حاولنا المحافظة عليها بذكاء. كنا متجهين إلى طريق مسدود. كان ذلك جليا بشكل مؤلم"

"أعتقد الآن أنك تتأهبين لوضع نفسك فى إطار روائي جديد. أنتِ منهمكة فيه، لذا لا داعى لوضع مشاعرك على الورق"

"المشكلة الكبرى الآن أنك لا تعرفين أى نوع من الروايات تتعاملين معه. لا تعرفين الموضوع كما أن الأسلوب لم يتبلور بعد. الشيء الوحيد الذى تعرفينه هو اسم الشخصية الرئيسية. مع ذلك، هذه الرواية الجديدة تعيد تكوينك. امنحيها بعض الوقت، ستظلك تحت جناحيها وقد تلمحين بصيص نور عالم جديد، لكنك لم تصلي إلى تلك المرحلة بعد، ما يجعلك فى موضع قلق وعدم استقرار"

"ما تحتاجين إليه هو الوقت والتجربة"

"أحيانا تكون أنت أحلى وأجمل شيء مثل عيد الميلاد وعطلات الصيف وجرو جديد، كلها مجتمعة معا"

""غير أني فى الغد سأصبح شخصا آخر، وليس الشخص نفسه أبدا، ولن يلاحظ أحد ذلك عند عودتي. على القشرة لن يتغير شيء، لكن شيئا فى الداخل احترق واختفى. سُفكت دماء وولّى شيء من داخلى. خرج ذلك الشيء ووجهه إلى الأرض دون كلمة. باب يُفتح وباب يُغلق. يُطفأ ضوء، وهذا آخر يوم للشخص الذى أنا عليه. آخر شفق. عندما يأتي الفجر، لن يعود الشخص الذى أنا عليه الآن موجودا. شخص آخر سيحتل هذا الجسد"

"بعد كل ذلك، لا تشرع فى كرهي!"

"بعد كل ذلك، لن أشرع فى كرهك!"


*اقتباسات من "سبوتنيك الحبيبة" لهاروكي موراكامي*


الخميس، 7 يوليو 2011

على فكرة

(12)
الوجع اللى جوايا محتاج حضن غويط، أدفن روحى جواه ومارجعش تانى !

(13)
عايزة أقول لغادة انك أجمل هدية ربنا بعتهالى في المكان الصح في الوقت الصح، وجودك أمان ودفا. انتِ أصلا معجزة ماشية على رجلين !

عايزة أقول لرضوى مش عارفة ليه معاكى بفتكر كلام فؤاد حدّاد لما قال "عمرك خجلت لأن أطيب منك انت اللى قادر تنفعه !". أنا بخجل منك لأنك أطيب م الطيابة نفسها، ولأن الوقت اللى حضنتك فيه لما دمَّعتى كنت أضعف منك بكتير !

عايزة أقول لسمية هتفضلى العقل اللى بيسندنى ويخلينى أشوف اللى بحاول أغمض عنه عينيا، وانك كل مدى بتحلوِّي، وانى كل مدى بخاف أكترعليكى من سيطرة عقلك على الحتة الحلوة في مشاعرك !

عايزة أقول لحسين الوقت ماقدرش يغيّر من كونك أحلى الحاجات اللى حصلت لى في حياتى. شكرا على قُرب بيونِّس ويخلّي أى زعل يدوب ويروح لحاله من غير ما ناخد بالنا، وإنك سبب في رسم ابتسامة حقيقية على شفايفي ... أه وربنا !

(14)
غادة بتقول عيشي حزنك لآخره، ورضوى بتقول البُكا عمره ماكان وحش، وسمية بتقول كلام تانى عشان لما أدخل السرير بدل ما أعيط أقعد أفكر فيه. بس لما رجعت البيت لقيت أم كلثوم بتقول "والزمن بينسِّي حزن وفرح ياما" !

(15)
مشهد خالد وهدير في فيلم ميكروفون رعبني، لأنى أول مرة أشوفه ولقيته بيفكرنى بمشاهد تانية كانت فى عقلى وكتبتها قبل كدا. السفر، البحر، القهوة، السجاير، المكان اللى حيطانه كلها إزاز، شوية الزعل الصغيرين اللى مضطرين نعيش بيهم. لقيتنى خايفة أكون البنت دى بعد سبع سنين من دلوقتى، خايفة أقعد مكانها وأقول كلام شبه كلامها. حسيت إنى شفتني فى عيونها بشكل ما، وقلت لنفسي مش هيحصل، أنا مش حِمل أعيده من أول وجديد !

(16)
أنا فعلا محتاجة حضن مايزهقش منّي. محتاجة لسفر مارجعش منه وأنا لسة عايشة في وجع وخوف !

الأربعاء، 6 يوليو 2011

على فكرة

(11)
الغريب إن كل ما الدايرة ترجع تصغر وتتقفل من تانى، وانه دا يبان حاجة كويسة، لكن بحس وقتها انى عايزة أطلع أجرى، عايزة أخطف حالى وأسافر وأتلاشى بأى طريقة. والأغرب إنى باعمل تصرفات عسكية لرد الفعل العكسي، يعنى باعمل كل الحاجات اللى تخلينى أفضل موجودة قى قلب الدايرة. والأكثر غرابة انه كل ما تزيد رغبتى فى تخطى المسافات، بلاقينى قاعدة مكاني خايفة أتحرك خطوة زيادة، خايفة أطلّع كل طاقتي المكتومة، ومايفضلش معايا إلا الصمت ... صمت بيقول إنى عايزة أقرب أكتر م الأول، وماحدش غيرى بيسمعه !

الثلاثاء، 5 يوليو 2011

السَمَك يعرف أيضا !

دوري، السمكة الزرقاء فى فيلم الكارتون، صاحبة الذاكرة المؤقتة، تضحك لمِرْهِف رفيقها ببلاهة، بينما نظرته إليها تحمل بؤسا وضياعا. لا تعبأ دوري بأنه لا يكترث لابتسامتها، لأنها ترى فى عينيه – إلى جانب البؤس والضياع – حنينا مكتوما لا يفصح بعناد عن قلة حيلة. لا تهتم إن نسيت فى لحظة ما من هى، وماذا تفعل فى ذلك المحيط الفارغ على اتساعه. لا تسأل مالذى جعلها من الأصل ترافق مِرْهِف فى رحلته، قبل أن تعرف من هو ومالذى دفع ابنه للرحيل. تقول له فقط: "أرجوك لا تذهب إن حدث سأضيع، لأنى أنظر إليك، وأشعر أننى فى البيت". دوري ترافقه لغاية لا تعنيها، لأن الجميع انفضوا من حولها، وانشغلوا ربما بصراعات أخرى مع كلاب البحر. وجدته هو الغريب عنها، الوحيد الباقي معها، فشاركته فى حمل همومه وعامت بخفة إلى جواره. تعرف بعدها أنه اعتمد عليها ليواجه خوفه من التيارات المعاكسة، ليتغلب على حدوده المحافظة، ويشق مساحات لا نهائية من المجهول. مِرْهف كسر الخوف، ودوري اطمأنت. كوّن الاثنان ذاكرة غير قابلة للفقد، وهزما معا كل كلاب البحر !