الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

فيما يخص السفر والوصول (2)

عارف، أنا دلوقتي عاملة زي اللي مستنية حاجة معادها فات وهى عارفة إنه فات بس لسة مستنياها
...
جيرمي كان بيحكي لاليزابيث في الفيلم على مامته زمان لما كانت تقوله لو تهت خليك قاعد في نفس مكانك عشان أعرف ألاقيك بسهولة. اليزابيث سألته والطريقة دي كانت بتنجح؟ قالها في الأغلب إن مامته هى اللي تاهت وهى بتدور عليه
يمكن قالها كدا فعلا، ويمكن دا اللي فهمته م الكلام، أو اللي كنت عايزة أفهمه
...
جيرمي فضل قاعد سنة كاملة في نفس مكانه. بيحاول يوصل لعنوان اليزابيث أو عنوان المكان اللي بتشتغل فيه عن طريق البطاقات اللي بتبعتها. اتصل بكل المطاعم والكافيهات اللي شايلة نفس الاسم. كانت بس واحشاه. اليزابيث لما رجعت وقعدت على نفس الكرسي في الكافيه بتاعه، لقت قدامها نفس الطبق ونفس الكوباية ونفس الشوكة، وعلامة محطوطة إنه المكان محجوز .. عشانها
...
عارف، أنا دلوقتي عاملة زي اللي فاتت حاجة أو حد وراها وطلعت تجري. والحد دا لسة مستنيها ومش عارف إنها عدت م المكان دا ومشيت خلاص
...
 حضرت جلسة تأمل في بيت حد من صحابي. مش عارفة كنت مستنية ايه. ينكشف عني الحجاب مرة واحدة ولا أكتشف عمق جديد فيا ماكنتش أعرفه مثلا. الفرق اللي حصل إني حسيت بالبرد، وناس تانية حست إن جسمها مولع. فيه ناس راحت في النوم تماما، لكن أنا كنت واعية ودماغي متحكمة فيا بشكل كبير. كنت بشوف حاجات قدامي كل ما أغمض عيني. شفت باب نحاس ملون، وحيطان حجرية لبيت قديم، وزخارف وورق شجر متعشق في بعضه. شفت طرقة طويلة كأنها نفق الزمن بيجري فيها بسرعة. شفت دايرة نور صغيرة، زي مايكون نور شمعة جاي من ورا غيامة. شفت صورة لوش بنت قبطية زي ما تكون ستنا مريم
حاولت أسترخي، أتنفس بهدوء ومافكرش في أي حاجة. وهما بيحرقوا الفحم ويولعوا البخور ركزت عيني على لون الفحم   البرتقاني، سرحت معاه وافتكرت الشمعة اللي لسعت ايدي يوم ما دخلت الكنيسة اللي بحبها آخر مرة. حصل الموقف تاني قدامي بنفس تفاصيله وقوة حضوره. غمضت عيني ولقيت تفكيري مشتت. ناس ووشوش وكلام ومشاهد داخلة في بعضها. لما شفت دايرة النور الصغيرة وقلت للولد اللي بيدير الجلسة، ضحك وقال للباقي دي خلاص وصلت. معرفش يعني ايه وصلت، ومعرفش يعني ايه الحاجات اللي أنا شفتها
...
 مع كل نفس بخرجه كنت بحس بحاجة بتتسحب مني، وحفرة كبيرة بتتكون. حاولت أتخيل شكل قلبي وماعرفتش. كل اللي كنت بشوفه جدول ميّة بيجري
...
 عارف، المفروض أطلع مرتاحة. بس اللي حسيت بيه كان كوكتيل خواء على زعل على هاجس مسيطر بإنه فيه حاجة مهمة ضاعت مني. كنت بس محتاجة حضن
...
اليزابيث طلبت من جيرمي يقولها حدوتة كل مفتاح من المفاتيح اللي في البرطمان الإزاز. كانت بتاعة مين وإزاي ضاعت من صحابها. حكالها على واحد فيهم إنه كان بتاع اتنين ساذجين كفاية عشان يتخيلوا إنهم هيعيشوا طول حياتهم مع بعض. سألته وايه اللي حصل ساعتها. قالها الحياة هى اللي حصلت، الوقت هو اللي حصل، والمشاعر هى اللي اختفت
..
جيرمي فضل قاعد في مكانه بعد ما كل أحلامه تقلصت في مساحة صغيرة من الترابيزات والكراسي والقهوة والشاي والتشيز كيك وفطيرة البلوبيري. واليزابيث غابت 300 يوم ورجعت بعد ما قربت أكتر من نفسها، وكان هو عايش حياته البسيطة بنفس روتينها وايقاعها
...
عارف، الفكرة مش إنك تتحرك طول الوقت أو تفضل في نفس المكان طول عمرك. فيه ناس بتبعد وتدخل جوا سكك متفرعة عشان دا اللي بيخليها تشوف الصورة أحسن. وفيه ناس بيفضلوا دايما مستنيينا في نفس المكان، بنفس الطبق والكوباية والشوكة والكرسي المحجوز، لأنهم مش محتاجين يشوفوا الصورة أحسن من كدا، ولأنه مش لازم يكونوا هما التايهين بالضرورة
...
مالحقتش آخر حتة بعد جلسة التأمل. كان لازم أطلع أجري عشان ألحق أروّح قبل الساعة 11 بالليل. كان المفروض أقول تاريخ اليوم اللي اتولدت فيه وكان بيوافق يوم ايه في الأسبوع والساعة كام بالظبط. ساعتها كان حضرة المُنجّم هيحكيلي حاجات من الماضي والحاضر وكمان المستقبل. عارفة إنك مابتصدقش في الحاجات دي بس فضولي كان قوي، وزعلت بجد لما اضطريت أمشي قبلها
...
عارف، وكأني متخيلة ببساطة إنه حد هييجي يقولي ايه اللي فاتني ومين اللي مستنيني وأنا مستنية حاجة بتاعتي ولا ماليش حق فيها، وايه اللي سبته وطلعت أجري
وكأنه ببساطة هيفرجني على كل حياتي الجاية مرة واحدة ويحرمني من كل الهواجس والقلق والاحتمالات والتخيلات اليومية اللي مابتنتهيش
...
 أنا ماكانش لازم أعرف، لأني غالبا من نوعية الناس اللي بتبعد وتتوه جوا سكك مالهاش آخر عشان تعرف توصل
....
عارف، حاسة إني عاملة زي اليزابيث. بتبعت جوابات لجيرمي تحكيله عن اللي بيحصلها، لأنه الوحيد اللي ممكن تقوله على أي حاجة
...

الثلاثاء، 25 ديسمبر، 2012

على فكرة

(44)

من أسبوع فات:


فيه وقت هييجي، هيتراكم فيه إحساس الفقد وهيخبطني مرة واحدة. هفضل أعيط كل ليلة قبل ما أنام، وأتحايل على نفسي كل يوم عشان أقوم م السرير. فيه وقت هييجي، وهبدأ أحس فعلا إنه فيه حاجة راحت ومابقتش زي الأول. فيه وقت هيعدي عليا، وهتأكد إنه فيه حاجة مهمة ماكانتش أصلا موجودة م الأول، والفقد عشان الشيء اللي ماحصلش وكان ممكن يحصل. ودا اللي هيوجعني...

النهاردة:

مش عايزة أدخل أنام، عشان زي كل ليلة هاحس إنه السرير واسع بزيادة، وإنه البطانية مش مدفياني كفاية. وزي كل ليلة فيه دمعتين بالعدد هينزلوا قبل ما أروح في النوم، وبعد ساعتين تلاتة هاقلق وأفضل أتقلّب لحد ما النهار يطلع ....

الخميس، 20 ديسمبر، 2012

فيما يخص السفر والوصول !

عزيزتي غادة /



فاكرة اليوم المنوّر اللي حكيتلك عليه؟ الشمس اللي دخلت رشق م الشباك المكسور على قلبي عدل، لسعة نار الشمعة ...
فاكرة يوم ماكنت عندك وضلمنا الأوضة وطلعنا البلكونة نتفرج ع القمر ونحكي...
فاكرة آخر مرة لما قعدنا ع الدكة الخشب نسمع أم كلثوم

التلات مشاهد دول فيه بينهم حاجة مشتركة، إني كنت منغمسة تماما في اللحظة. وحاجة تانية مشتركة، إنه كان فيه روح خفيفة بترافقني، كل مدى بشوف ملامحها أوضح، بس لسة مش عارفة هى ليه أصلا بتطاردني .. عارفة إحساس إنك مش لوحدك، فيه حتة تانية منك قريبة وبعيدة في نفس الوقت.

وعلى سيرة النور. لحد دلوقتي بحاول أستوعب إزاي اتكتبلي ودخلت المكان اياه أبو شباك مكسور، وفي اللحظة دي بالذات. لحظة إنك بتعدي من قدامه وهتمشي وإنتِ على يقين إنك مش هتعرفي تعدي السور، وفجأة بتلاقي الأبواب المقفولة بتفتح بسهولة شديدة. رغم إنك بتعدي ع المكان كتير، رغم إن تسليمك بوجوده على مسافة مع الوقت خلاكي ماتحسيش بيه أصلا، رغم إنه احتمال ماتعرفيش تدخليه تاني خالص بنفس السهولة دي. هى لحظة، بيكون ليها مؤثراتها وإحساسها الخاص بيها، ماينفعش تتكرر بنفس حذافيرها كل مرة.

ساعتها النور عرف يقابلني في نقطة، ساعتها فكرة بيت النور اتجسدت قدامي وبقى ليها ملامح محددة. كل ما أفتكر اليوم دا، اللي بييجي على بالي صورتي وأنا واقفة قدام الشباك قبل ما أمشي، ونور العصرية داخل ومغرق وشي، وأنا رافعة ايديا الاتنين قدام عيني وبلعب مع الشمس. ساعتها كنت منتشية، وكنت مصدر بهجة للي شايفني ....

من وقتها وفيه حالة تجلي للذات بتحصلي بصور مختلفة، مؤلمة ومسالمة ومبهجة. أحيانا بخاف إنه تأثير اليوم دا واللحظة يروح، وأرجع تاني لحالة تخبط وفقدان الاتصال مع الذات. بس بلاقي إنه الحبل موصول، ونقطة بتسلم للتانية، وطريق لازم عليا أنا اللي أمشيه لوحدي ...
غلط لما تفكري إنك عشان تحافظي ع الحالة، تحاولي تمدي جسور بالعافية مع اللي كان يشاركها معاكي. الجسر بتمديه مع الأصل، مع ذاتك.

عارفة امبارح بس قررت إني من هنا ورايح هحاول أكون صانعة بهجة الآخرين. إزاي معرفش، بس لقيت دي الحاجة اللي عايزة أعملها وأعيش عشانها. حاجة تخليكي تتغلبي ع المسافات الزمانية والمكانية وتكوني بشكل ما موجودة في حاجة من ريحتك.


شوفي أنا بقالي قد ايه بدوّر على بيت النور!!
وأكتشف في الآخر إنه البيت جوايا أنا، إنه مش لازم يبقى محدد بجغرافيا أو بصورة واحدة تختصر من معناه. والنور طلع هو اللي محتاجني أمسك ايده وأوصله لحد الباب مش العكس.
هو احنا سألنا نفسنا قبل كدا: مش يمكن النور هو اللي بيدوّر علينا طول الوقت، و قبل ما يوصل بدقايق احنا دايما اللي بنطلع نجري؟!



الأربعاء، 5 ديسمبر، 2012

لماذا تركت الاسبرسو وحيدا؟!


السيدة الشقراء على المائدة البعيدة
الكرسي الشاغر أمامها
شعرها المموج
ابتسامتها الخفيفة وهى تتحدث بالهاتف
طلاء أظافرها الأحمر
يدها الأخرى تضغط بخفة على جبهتها
دخان سجائرها المتراقص حولها
المزيد من الدخان تخرجه من صدرها في هدوء
مشروبها المثلج
شرودها
احساسها بالاكتفاء
احساسي أنها لا تنتظر أحدا

السيدة الهادئة على المائدة الأقرب
وجهها الطفولي المبتسم
شعرها البني المنساب حتى كتفيها
عينيها الواسعتين وهى تتحدث بالانجليزية للرجل المسن أمامها
رقبته الرفيعة من الخلف وشعره الثلجي
انحناءة طفيفة بظهره 
لغة الإشارة وهو يطلب نفس مشروب السيدة الشقراء
 كان يشير إلى مائدة فارغة بعد أن ذهبت

الشاب الأسمر ع المائدة المجاورة
مطفأة ممتلئة بأعقاب السجائر
سيجارة جديدة بين أصابعه
رأسه المائل على السور الخشبي
نظرته إلى نقطة بعيدة لا يراها سواه
شبح ابتسامة واستغراق كامل داخل الصمت
صديقة تمر مصادفة
تندهش وأندهش ونتحدث قليلا
تلحق بصديقها داخل المقهى
أعود لكتابي
أبتسم وأدوّن جملة أعجبتني في النوتة البرتقالية
أشرد قليلا ثم أتفقد ساعة الهاتف
أعود للكتاب
أرفع عيني بين حين وآخر لشرفة في البناية المقابلة
 الشاب بجواري خرج عن صمته وطلب فنجانا من الاسبرسو
أشرد وأتفقد ساعة الهاتف
الولد والبنت خلف الحاجز الزجاجي للمقهى
ابتسامتها المبهجة وهو يداعب خدودها
ابتسامتي الممتنة لهما
الرجل الجالس بمواجهتي 
ومكالمة طويلة يشكو فيها زوجته
يهم بالرحيل أخيرا
الشاب الأسمر يقوم فجأة ويدخل المقهى 
صديقتي تخرج وتحييني ثم تذهب
أتفقد ساعة الهاتف
أطلب الحساب
أنظر لفنجان الاسبرسو المتروك وحيدا
 لو كان بإمكاني تصوير فيلم قصير في مديح العادية
أفكر قليلا وأنا أنظر للشرفة في البناية المقابلة
ألملم أشيائي وأمضي
خفيفة وممتلئة



الأحد، 2 ديسمبر، 2012

Inside / Outside ...

بداخلي  مائدة فارغة
روح خفيفة كسحابة
وأشباح مسافرة ترقص في البعيد

بداخلي شمس صغيرة وخائفة 
ويد تتشبث بآخر مقعد للقاء 

بداخلي مدينة صامتة ومظلمة 
لا تسع مأوى للعابرين سريعا 


بداخلي موعد فائت وضجر
 ملاءات بيضاء مكرمشة
وموعد لا أريده أن يتكرر


بداخلي صدى ضحكة يتردد بردهة طويلة
وأصوات ترانيم كنائسية تخصني وحدي ...
على كتفي رأس ثقيل
مازال معلقا في المسافة بيني وبين كتفه..