الأحد، 27 مارس، 2011

تقاطُع

ثم رفعت يدها الممسكة بالعصا الخشبية الغليظة وأنزلتها على كتف الفتاة المارة بجانبها. كانت الضربة قوية ... وعنيفة !!

**********

حدث الموقف وانتهى فى ثوانى معدودة. أفرغت العجوز طاقتها الانتقامية وذهبت فى هدوء، وكان حظ صديقتى العثر أن تتواجد فى تلك اللحظة، أن تسير معى فى ذلك الشارع، ثم يحدث أن تمر العجوز فى الاتجاه المعاكس. نتوهم أولا أن لا حول ولا قوة لها، وأن وظيفة العصا احتمال ثقل جسدها لا أكثر، ونكتشف ثانيا أن قوة ما تجمعت لتجعلها تحمل عصاها بيد واحدة، ترفعها لتضرب بها جسد صديقتى الضعيف وتصيب كتفها الأيمن.

ثوانى هى عمر الموقف، ودقائق طويلة كاملة هى عمر استيعابنا لما حدث. وقفت المسكينة فى عرض الشارع ممسكة بكتفها وكاتمة لألمها العميق، تنظر خلفها فى ذهول وتتابع العجوز تنصرف فى خطوات بطيئة، ثم تقف لتلتفت .... لا نعرف إن كانت تنظر إلينا أم إلى العدم. سمراء، ملامح وجهها متعجنة، أى أنك لا ترى حدودا واضحة للعينين وللأنف أو الفم، للحظة تخيلت أن لا عينين لها، مكانهما حفرتين عميقتين من السواد القاتم. وقفت تنظر - إلينا ربما - وكأنها تقول أن الضربة كانت مقصودة وأنها غير آسفة عليها وعلى استعداد أن تعيد الكرّة ثانية، ثم استدارت ليختفى جسدها وراء تلك الملاءة الصوفية الكبيرة الملتفة حولها من رأسها حتى قدميها.

***********

ماذا كان يمكن لصديقتى أن تفعله كرد فعل؟ ماذا كان يمكن أن يحدث منها بعد انتهاء حالة الذهول والاستيعاب لطبيعة الموقف؟

لم أفعل شيئا سوى وضع يدى على كتفها واحاطتى اياه وكأنى أريد اللحاق بما تبقى من فرصة لحمايتها. كانت تغالب ألمها، تسأل العجوز بصوت مرتفع وهى تختفى لماذا فعلت ذلك – وكأنها تنتظر إجابة منطقية – ثم تلتفت إلىّ لتخبرنى أنها تتألم بشدة، وأن ذراعها بالكامل قد تيبس لا تكاد تشعر به من فرط الوجع. تنظر ثانية للاتجاه الذى غابت فيه العجوز خلف إحدى العربات ثم إلىّ، هكذا فى اتجاهات متقطعة وهى تهذى أنه بالرغم من الألم فليست غاضبة أكثر منها مندهشة، فما ذنبها فيما آلت إليه تلك المجنونة من بؤس " مش أنا اللى عملت فيكى كده ... ليه طيب؟ "

كنت أكتم الضحكة داخلى من عبثية الموقف طوال الوقت، أحاول تهدئتها وحمايتها. أعترف أن الذعر والخوف قد أصابنى وتصورت عند التفاتة العجوز إلى الوراء قبل تلاشيها أنها ستعود إلينا ربما لتضربنى أنا هذه المرة أو تصيب صديقتى بعاهة مستديمة بعد عدم اقتناعها بفاعلية الضربة الأولى.

المارون حولنا لم يتجمهروا أو يقفوا قليلا كى يتساءلوا على الأقل. الكل كان ينظر إلينا أو إلى اللاشىء ويمضى فى طريقه، يبتسم أولا ثم يمضى فى طريقه. شبح ابتسامة ارتسمت على جميع الشفاه المتواجدة فى المكان وكأنها تبارك عمل العجوز ... وتسعى فى طريقها.

**********

بعد أن أقنعت صديقتى بالرحيل من هذا المكان أخيرا حاولت الخروج بها من الدائرة المحرجة للحدث. شعرت بها على شفا البكاء ولكنها ظلت متماسكة وتجاوبت مع محاولتى لنشر بعض من الرذاذ المرح حولنا. بين لحظة وأخرى تمد يدها اليسرى لتضغط على كتفها الأيمن، يحمل وجهها تعبير الألم المكتوم وهى لا تحاول أن تحرك الذراع نفسه.

سألتنى عن أى شىء كنا نتكلم قبل وقوع هذا الحادث المؤسف. تقريبا كنت قد نسيت، وهى أيضا حاولت التذكر دون جدوى، ثم حَمَدَت الله أن الضربة لم تكن على رأسها فيكفيها ما تعانيه هذه الأيام من صعوبة التذكر لأشياء هامة لا تدرى كيف تفوت على عقلها، أو كيف فاتت وانسحبت وكأنها لم تحدث من الأصل. حاولت التذكر مرة أخرى وبعد ذلك اقتنعنا أن مجرى الحديث كان عن أشخاص آخرين غيرى وغيرها. صدَّقت الأمر ولكن لازمنى شعور أن شيئا ما خاطىء يحدث، وربما كانت تتكلم معى وكأن هذا الشىء سقط سهوا ولم تفلح محاولتها لاستعادته...............................

**********

تستيقظ فتاة مثلها فى ظهيرة يوم مُقبض بعد أن عانت اليوم الفائت بأكمله من صداع ترك صدى فى كل أعضائها حتى كادت تشعر بانقلاب معدتها عليها. تجذب جسدها من الفراش عنوة ثم تجلس قليلا على حافته تمسك برأسها الذى يحمل آثارا من أعراض الصداع واضطراب الليل.

" لماذا لا يأتينا البكاء سهلا بسيطا؟"

تترك السؤال خلفها على الوسادة ومعه كل ما لاتقوى على حمله فى الذاكرة. يسير اضطرابها مع خطواتها البطيئة فى الردهة. تقوم بطقوسها الصباحية المعتادة. تذكرها أختها الكبرى بموعد سداد الفاتورة الشهرى. تخبر أمها على مائدة الافطار أنها ستقابل صديقتها بعد أن تنتهى من مهمة الذهاب إلى السنترال. تخبرها فقط دون انتظار الأسئلة المعتادة المتكررة ودون استعدادا منها للرد بتلك الآلية المتكررة أيضا أنها لن تتأخر.

**********

تأخذ رقما لتجلس وتنتظر. ثم تنتظر ... وتنتظر ... وتنتظر ... وتنتظر. لن يأتى دورها بالسرعة المتوقعة فأدركت انها لن تلحق بالموعد. تتصل لتعتذر، ثم تنتظر. تلعب داخل رأسها الاستغماية مع الصداع الذى فكّر بالانقضاض عليه من جديد فى وقاحة زائدة. يأتى الدور فتذهب فى خطوات سريعة إلى الموظف خلف الحائط الزجاجى لتعطيه قيمة الفاتورة. وفجأة.............................

"آسفين يا فندم مضطرة حضرتك تستنى كمان حوالى ربع الساعة .... السيستم وقع والمشكلة كبيرة" .......

السيستم يفقد هو الآخر ذاكرته، يسقط ولا يعرفون كيفية انتشاله من حفرته التى تعثر بها. تنتظر ولكن السيستم لا يستجيب. استيقظت متأخرا وانتظرت طويلا وتأخرت على موعدها ثم انهار السيستم ثم رفض محاولات افاقته. تستعيد النقود لاعنة كل الأنظمة المعطلة فى الحياة. تذهب للحاق بصديقتها .... ويزداد يومها انقباضا.

**********

يُدمر أحدهم حياتكِ، يقضى على ما تبقى بها من أى ملامح تتصف بالانسانية، يحولكِ إلى شبح يسير نهارا بقدم حافية على الأسفلت الساخن دون أن تعبأ به الحياة، ويتكور على نفسه ليلا فى أحد الأركان الرطبة الباردة. لا أحد يراكِ، لا أحد يمر بكِ ليقف عندك لحظة واحدة ويسأل: كيف حدث هذا!! العالم يسير من حولكِ بسرعة أضعاف خطواتك البطيئة التى فقدت أى احساس بالسخونة والألم. وأنتِ مازلت أنتِ. لا، لم تعودى كما أنتِ. ربما لا تستطيعين الآن إدراك كيف كنتِ؟ من أين جئت قبل أن تصبحى بهذه الخلقة والروح المشوهة. لا تتذكرى سوى ما يحدث فى تلك اللحظة الآنية، أنكِ خيال إمرأة تسير متدثرة بغطاء صوفى باهت و ثقيل، تسير على هامش الطريق، لا تتوقع أن تعيرها فتاة صغيرة وجميلة انتباها.

فجأة يصل إليكِ صدى ضحكات رائقة قادمة من الاتجاه العكسى، ترفعين رأسك لتجديها هى وصديقتها قادمتان نحوك. تشعرين بغصة، بمرارة؟ تشعرين بأى شىء على الإطلاق؟؟؟

نعم، من بعيد تبدوان سعيدتان. من الخارج كل شىء يبدو منظما ومرتبا وفى مكانه، ليس هناك خلل، ليس هناك سحبا رمادية تسبح فوقهما، ليس هناك حزن، ليس هناك قلق. ليس هناك عنصر يشوه اللوحة الكاملة إلا أنتِ.

تقتربان، وترفعين رأسك قليلا. تزداد يدك تشبثا بعصاكى الخشبية الكبيرة. هما الآن بمحاذاتك............................

هل يوجد حقا تفسير منطقى لفعلتك؟ هل كان قرارا مصيريا مثلا يتوقف عليه شكل الإطار العام لوجودك فى هذا العالم؟

ضربتيها ثم ذهبتى، وأثناء اجتيازك لها سمعتِ تلك الآهة الصادرة منها بفعل الضربة وما تلاها من ألم. توقفتِ ونظرتِ باتجاهها، هل تحاولين استعادة كيف تكون حالة المرء عندما يتعرض لأذية جسدية أو نفسية؟ تحاولين تذكر كيف يكون الاحساس بالوجع؟ تقفين لترى إن كانت ستبكى أم لا، نسيتى كيف تكون عملية البكاء؟ فقدتى كل إلمام بحواسك واتصالك بها؟

ربما نظرتِ صوبها فى صمت لتعلنين فقط أنكِ هنا " أنا متواجدة، أنا أحتل هذه البقعة من الأرض، لا يمكن لأحد تجاهل ذلك الجسد الذى يتنفس، العالم يعترف بالأشباح، لكن لما ينكر على نفسه رؤيتها؟ "

**********

الألم يزداد وطأة على كتفى، أضع يدى على فمى وأغلق عينى، وعربة المترو تتأرجح بى ذاهبة إلى بيتى. أيوجد وضع أكثر ازدراءا مما أنا فيه الآن؟ تركت صديقتى عند المحطة. نزلت إليها وسط الزحام وأنا أتفادى أى محاولة للاصطدام بذلك الكتف العليل. وحيدة، ونظرت داخلى لأجد خواءا رهيبا.

أفتح عينى قليلا لأنظر أمامى إلى تلك الطفلة المتكورة على صدر أمها، نائمة فى سكون، أمها تلك السيدة الشابة تنحنى على رأسها بين الحينة والأخرى لتطبع على جبينها قبلة دافئة ..... يا الله، هل كنا صغارا حقا يوما ما؟

أخلع نظارتى الطبية وأمر بيدىّ الاثنتين على عيناى، تعود الوخزة كلما حركت ذراعى. أتساءل عن احتمالات الصدف القائمة التى تجعل يومى يسير بهذا الشكل لتأتى لحظة تقاطع مع تلك العجوز وأنال فيها تلك الضربة. كان واردا أن أتبادل المواقع مع صديقتى، كان واردا أن تتآذى هى لا أنا، كان من الممكن ان أجلس الآن فى عربة المترو أفكر فى كم الوجع الذى تشعر به، يصيبنى القلق عليها وأذكر نفسى بضرورة الاطمئنان عليها فور وصولى إلى المنزل. ربما، لكنى تعودت على الاحتمال، كان من الممكن ألا تطيق هى قوة الضربة والمفاجئة فتنفجر باكية مثلا وأقف أمامها عاجزة لا أستطيع فعل شىء يُذكر !!

وربما تم اختيارى دونها لامتلاكى أساليب التحايل من خيال واسع وانفصال عن واقعى ولو لبعض الوقت، كأن أتخيل الموقف معكوسا، لو كانت هى أنا وأنا هى، ربما يساعدنى ذلك على تخدير حواسى قليلا ونسيان الجرح المستقر فوق كتفى ...

النسيان ليس سيئا فى بعض الأحوال

**********

دخلت من باب البيت إلى غرفتى مباشرة دون أن أوجه كلمة لأحد، أغلقت خلفى وأمام المرآة أزحت سترتى قليلا من ناحية الكتف الأيمن لأجده متورما وبه خدش صغير تسرب منه خيط دم رفيع للغاية. أطيل النظر إلى جرحى فى المرآة دون وعى منّى وفجأة أتنبه وأبدل ملابسى سريعا قبل أن يلاحظوا غيابى.

لا أخبرهم بما حدث، أتجنب ذعر أمى المبالغ فيه ان علمت، لا توجد عندى رغبة فى الأكل، لا توجد عندى طاقة للجدال، لا تصدق أمى أنى لم أتناول شيئا منذ وجبة الإفطار قبل خروجى. لا أريد البقاء طويلا تحت الضغط وإلا سأنفجر لأقول لها حقيقة عصبيتى الملحوظة فى الحديث.

"لماذا لا يتركون لنا مساحة آمنة للبكاء؟"

**********

أين أنت؟؟؟

استلقى على ظهرى فى فراشى بتلك الساعة المتأخرة من الليل وأحاول تخمين مالذى تفعله. لست نائما. هل يمكننى بسهولة اخبارك بما حدث لى اليوم، لماذا أريد ذلك على أية حال، أحاول تذكر الأسباب، أحاول معرفة ان كان لابد من وجود لسبب!! أحكم الغطاء علىّ بعد أن أستدير لأستلقى على جانبى متكومة حول الوسادة وآملة أن يأتى المرهم المسكن بمفعوله سريعا.

أين أنت؟ ربما يجدر بك أن تتواجد فى أى مكان آخر غير ذلك الذى يحتويك الآن. من الممكن مثلا أن تزيح ستائر نافذة ليلى الوهمية وتتمدد جانبى فى خفة، تُخفى رأسى فى صدرك وتطلب منى أن أبكى فى هدوء، وبين الحينة والأخرى تنحنى على كتفى المصاب وتطبع عليه قُبلة دافئة.

**********

يالله، لماذا نصير كبارا ؟ لماذا نشيخ ونبهت سريعا وتطاردنا أشباح الذاكرة !!

الاثنين، 7 مارس، 2011

يكفينى حبّة جهل بالأحزان

غريب أمر هذا العالم حقا ... دوائر مغلقة أبتعد عن مركزها لأدور وأدور وأعود إليه ثانية. لما تصر هذه الحياة على اعلامى بكل بواطن الأمور وبكل ما يحدث وراء الستائر؟ لماذا تكشف لى دائما حقيقة الأشياء؟ لماذا تجعلنى أنا فى موقف مَن يشاهد مِن أعلى كاشفا كل أبعاد اللوحة. لما تلاحقنى دائما بصورة محببة متروكة فى عين كل شخص ممن حولى وبرائحة حميمية عالقة فى ملابسهم؟


أتعجب من نفسى. أتعجب من قدرتها على هضم كل تلك المفارقات المضحكة. أتعجب من امتلاكى لردار حساس لا يلبث أن بثبت صحة الاشارات التى التقطها. أتعجب من قدرتى على التنبؤ بمصيرى. مشاهد أراها تمر أمام عينى كقطار سريع لا يجد له محطة يتوقف بها، ثم فجأة يكبح السائق جماحها لأتوقف عند المشهد ذاته بكل تفاصيله المسبقة لأجده يُنفّذ أمامى كما لو كان سيناريو أعده أحدهم لى قبل بدء الحياة وممثلين حفظوا أدوارهم جيدا.

تحدث الأشياء، تتعثر قدمى بمفارقات بسيطة. أبتسم ابتسامة من يخرج لسانه للعالم مخبرا اياه: نعم، أنا أعلم. أعلم جيدا حقيقة الأمور فلا داعى لتلاعبك السخيف معى.

أعلم أن الادراك المسبق يختصر الكثير، يختصر انزعاجا، يختصر احتياجا لمزيد من الوقت للاستيعاب والفهم، يختصر غضبا وانعزالا.
ولكن المعرفة تصل بى أحيانا الى حد الانهاك. الجهل قد يكون نعمة. بالله عليك ايها العالم، أيتها الأفلاك التى أصبحت أضيق من حاجة أرواحنا للرحابة، من فضلكم جميعا: أنا متنازلة عن حق العلم والمعرفة لبعض الوقت، أريد عطلة ولو قصيرة.

يكفينى ايمانا أن الحياة ستعود لتصب فى صالحى كما تفعل كل مرة، يكفينى أن السماء تنزل ملائكتها كل مساء لتربت على كتفى. تكفينى نسبة قليلة من الحزن لا أريدها الآن أن تتسع. حزن قليل يحافظ على تلك الابتسامة الراضية الفاهمة..... ولكنها تخشى المزيد من الفهم.