الأربعاء، 26 مايو، 2010

معزوفة صامتة ... الجزء الثانى

وهكذا بعد أن راقبتها وقتا طويلا وهى تمارس وصلتها المنفردة، أعلم الآن أنها مازالت تشعر بمنتهى الحنين والضعف الإنسانى كلما مر طيفه أمام عينيها، مازالت تشعر بذلك الخدر اللذيذ يجتاحها كلما تذكرت إحدى نظراته العميقة والتى كانت تقول لها كل شىء مفرح وكل شىء يشى بحزن وشيك

أعلم أن كل ما تتمناه فى تلك اللحظة هو التخلص من كل شىء تملكه ويقيدها فى ذلك العالم واسقاطه من فوق أعلى بناية فى مدينتها الخرساء رغم ازدحامها الآثم، فقط أن تسقط ما بيدها ... تتعرى من ثقل روحها ويحتويها صدره لتنام فى هدوء كطفل وليد، غير عابئة بما يحدث فى العالم من حروب أو مجاعات، فقد شبع ظمأها واستقرت فى الوطن الأخير ...

أعلم أيضا أنها لم تفاوض ثورتها الداخلية بعد، ولم تعلن عن غضبها المكتوم، فيطاردها الألم القديم كلما مرّ ذلك الطيف، وتشعر بالجرح طازجا وكأنه لم يمر سوى الأمس .... فأراها تلعنه وتنحاز إليه ضد نفسها فى آن...

أراها تسأل روحها: تُرى ماذا سيحدث لو كانت جالسة فى مكان ما يوما ما ورأته هناك؟

هل ستعامله بلا مبالاة قاتلة؟..

أم ستواجهه بوجه محتقن ودموع محبوسة، ثم تتركه فى كبرياء خلفها وتمضى؟...

أم ستسقط عليه كل غضبها و لعناتها وتصرخ فى وجهه دون أن تعى ما تقول؟...

هل ستفتعل السعادة وترحب به كصديق قديم لم يحدث بينهما سوى مرور وقت طويل منذ آخر مرة تقابلا فيها؟؟؟

أبتسم لها فى اشفاق وأنا أراها تدور حول نفسها فى تلك المتاهات والاحتمالات اللانهائية، ما زلت أستطيع قراءتها وأدرك أنها فى قرارة قلبها ونفسها بمجرد رؤيتها له داخلا من باب المكان، وعلمها أنه آت إليها هى فقط، ومن قبل أن ينطق كلمة واحدة، أدرك أنها ستبتسم له ابتسامة صافية قد يشوبها بعض العتاب، وستسامحه وتسامح نفسها قبل كل شىء....

فقط لو تعلم أنه آت إليها هى بالذات...

فقط لو يأتى ...

كثيرا ما أسرّت لى أنها لو عادت إلى ما كان، لن تتردد فى اختيار نفس الطريق الذى سلكته منذ البداية، لن تأبه لو رجعته كله بقلب منفطر أو جروح متفرقة فى أنحاء جسدها و روحها للمرة الثانية، لن تأبه لو انكسرت للمرة الثانية بدلا من وقفتها هكذا فى مكانها فريسة لاحتمالات ماذا إذا؟؟ أو ماذا لو؟؟

تخبرنى أنها لن تأبه حتى لو رفض للمرة الثانية سند جدران البيت لتستطيع هى إقامة سقفه، كل ما تعلمه أنها سأمت من لحن أيامها الحزين، ومن عزفها المنفرد بلا انقطاع، ومن الطريق الذى دعاها إليه يوما ما ولا تعرف له نهاية، وكل ما تشعر به أنها ما زالت تملك القدرة على العطاء ... والمجازفة...

تهمس لى حين أهدهدها ليلا لتنام، أنها لو كانت فقط قبضت على ذراعه يومها قبل أن يتلاشى ومنعته من الذهاب ومنعت نفسها، لما كانت اليوم تسير مثله فى نفس الشارع غريبة وسط غرباء آخرين...

وتعترف لى صباحا بعينين مجهدتين، أنها ربما تكون نسيت من الأصل ماذا كانت تريد منه، ولا تعلم لو جاء حقا هل سيعود بها إلى نفس ما كان يوم تركته، أم أنها ستتخلص أخيرا من وصلتها المنفردة؟؟..

وتسألنى فى الليلة التى تليها، إذا كنت أعلم عنه شيئا؟؟... فى هذه المرة لا أستطيع الجزم بأنى أدرك أو أعلم، فقط أضعها فى الفراش وأمسح على شعرها فى حنان مشفق، وأنا أحدثها فى نفسى: حبيبتى الصغيرة ... تعلمين كم عانيتى من أجل الدفاع عن حقك فى بناء بيت صغير بقلبه تلجئين إليه بقية العمر.... اعذرينى لأنى لا أعلم ماذا سوف يحدث لكِ وله غدا، وما الذى سوف يحدث لكما معا، أو لن يحدث...

كل ما أعلمه أن هناك أشياء فى حياتنا تستحق أن نقاتل من أجلها، وأنتِ يا عزيزتى أحد هذه الأشياء...

فأسمع هذه العنيدة الصغيرة، بينما النوم يثقل رأسها ويغلق جفنيها، وهى ما زالت تهمس فى خفوت:

فقط لو كان آتيا من أجلى...

فقط لو يأتى...

فتتسع ابتسامتى، وتدمع عيناى...

وينقبض قلبى.............

لو عدت يوما إلى ما كان، هل أجد *

الشىء الذى كان والشىء الذى سيكون؟

العزف منفرد

والعزف منفرد

....

من قصيدة "عزف منفرد" لمحمود درويش