الاثنين، 9 نوفمبر، 2009

تفاصيل صغيرة


لأنها كانت تراه دائماً من زاوية واحدة...أخطأته عندما وقفت على زاوية أخرى وانحرفت فى الإتجاه المعاكس..ثم عادت إلى نفس النقطة..فى موعدها تماماً

سريعة، ضيقة، متلاحقة، لاهثة، مندفعة...تقطع الشوارع وتقفز فوق الأرصفة وكأنها على موعد تأخرت عنه..تأخذ دائماً الأشياء بالشبه..غالباً ما يحركها احساسها أكثر من الذاكرة..تتسارع أكثر خطواتها تلك... قلقة مرتابة..ليست دليلاً على ثقة أو لحاق بالوقت أكثر منها هروباً منه..تتجاوز المزيد من الصور العابرة و كالعادة تأخذ الأشياء بالشبه

شىء ما جاثم على الصدر.. .احساس ما سقط منها لتوه... هناك غلالة من دخان رمادى تسبقه خطواتها كى تتخلص منه ..تخرج من حيزها قليلاً، ويتسع الفراغ حولها لاستيعاب التفاصيل... هناك من يبيع العقود الرخيصة فى أحد الأركان..هناك من يجلسون خارج محلاتهم الراكدة، وعلى ثنية المنعطفات هناك مقاعد تتثاءب ضاجرة من يوم عمل جديد ..الكل لم ينته من كلمة البداية بعد وهى مازالت تندفع وكأنها تلحق بآخر خيوط اليوم المتسربة من يدها

المنعطف الثانى..لا، بل الثالث...تميزه بالعربة البيضاء الكبيرة التى تسد مساحة من مدخله....حتى هذه النقطة لا تدرك من ذاكرتها الكثير..تعتمد فقط على أرجلها، على صوتها، على أوامرها، على رغبتها فى التأرجح دون رسالة واضحة..تتخذ جهة اليمين فيمين آخر لتجد نفسها خارجة من المنعطف الثانى فى نهاية الأمر..متاهة صغيرة تخطىء فيها الإتجاهات..لمَ تتذكر جيداً طريق الخروج وليس الدخول؟ لأنه كان الثابت وغيره يتغير فى كل مرة؟ أم لأنها كانت تركز على داخلها أكثر من خارجها فى كل مرة؟ فتتوه منها تفاصيل الكلام فتنسى ما كان يُقال وتتذكر ما كانت تتمنى أن تسمع وتحتار فى ما تود قوله فيلوذ الصمت داخل منحنايتها الداخلية وتسقط منها صورة أو أخرى لا تكتمل إلا معها ملامح المكان...أم أن المكان ذاته نساها وسقطت كجزء طمسه الإهمال فلم يتعرف عليها؟

لا بأس ثمة طرقاً أخرى للتحايل...تترك المنعطف الثانى مروراً بالثالث دون أن تدخله ثانية هذه المرة..تسير حتى تبلغ التقاطع الأول وتدخل جهة اليمين..تلازم الرصيف ممشطة بعينيها المنعطفات الجانبية الجديدة..تصل إليه..تهم بتركه خلفها هو الآخر...تعود عدة خطوات إلى الوراء وتتأمل ذلك الممر الصغير بصف مقاعده الصامتة الغافية...لم تره خاوياً هكذا من قبل وهذه أول مرة تدخل إليه من حيث قررت أن تكون خارجة إلى الأبد..نعم هو..فلتكن إذن أول الموقظين.

تذهب لتجلس على المنضدة المواجهة تماماً للباب...تتأمل المكان من حولها..الذبول بدأ يزحف على الأشجار..ريح باردة خفيفة تحاور المقاعد التى لم يأت من واعدوها بعد...نهار قاهرى يتحسس الخُطا، وكأن العالم فى إجازة مفتوحة اللهم إلا من بعض المتسربين المتناثرين هنا أو هناك

على العكس يبدأ نهارها مبكراً جداً، مرهقاً جداً، مشحوناً جداً بقوة الدفع والتلاطم مع كل شبر تخطوه فى شارعها الضيق، مع كل وقفة تتأوه بأنين أنثوى خافت تغيرها بقدر الإمكان محاولة التماسك و هى محشورة داخل علبة صفيح اسطوانية تتحرك على أربع ، قاطعة أكثر من ثلاثين محطة ملّت أسماءها

على العكس ساد السكون وغيمت السماء قليلاً لكنها لم تمنع انتشار بعض الضوء الرقيق...دقائق تمضى تقطعها تلك المقارنة السريعة ويخرج واحد تلو الآخر من جحره عابراً الممر أمامها ويخرج ذلك العجوز من باب دكانه المنقلب على نفسه ليسألها أى مذاق تفضل هذا الصباح..يدلف إلى عالمه المتبعثر ملبياً طلبها وتنشغل هى بتغيير وجهة المقعد لتصبح مواجهة للمنضدة الصغيرة فى اتجاه ممر دخولها الذى كان خروجاً وظهرها للممر الذى كان دخولاً ولم تحسم أمر تحوله بعد...تضع حقيبتها على المقعد المرافق، فلكل منضدة مقعدان لا أقل ولا أكثر فتشفق على أحدهما وتطلب من حقيبتها إشراكه فى ثنائية الحياة

فى ساحة الإنتظار يأتى العابرون الذاهبون..تتلون المقاعد الشاغرة بأحجام وأشكال مختلفة وتكتسب ملامح متنوعة الأغراض تتفق فى شىء واحد فقط : الوقوف قليلاً فى ممر يفصل بين دخول وخروج..الجلوس لبرهة لترتيب الخطوات وتحديد الإتجاهات: من أين ندخل؟ من أين نخرج؟ من أين تبقى حيث نحن؟ من أين نأبى المكوث وإلى أين يتعذر علينا الوصول؟

فى ساحة الإنتظار تتمزج رائحة النرجيلة مع أخبار الصباح الطازجة على صفحة السياسة الحمقاء مع نشوة القهوة مع حواديت الأمس المُعادة كل يوم...تأتيها رائحة القهوة من خلفها تماماً..تتشبع بها وتقلّبها مع انسجامها وهدوئها الذى هبط فى خفة لتوه..تنتشى بها وتتذكر شبح فتاة خلفها ضائعة فى متاهة صغيرة وتودع من أمامها على عتبة الممر خطوات متعثرة يحركها توتر مشحون ..تودعها وتنظفها عن حذائها الملامس دائماً للأرض، وتفكر فى امرأة تشرب قهوتها فى كوب من خزف بُنى محروق ساعة عصارى فى شرفة بيضاء برائحة القرنفل..........امرأة؟؟؟؟ تفكر فجأة أنها الأنثى الوحيدة فى المكان..تفكر فجأة فى المعنى......امرأة؟؟؟...ترى أنه ما من أحد يهتم..ما من أحد ينظر بغرابة..اعتادوا المنظر أم أصبحت جزء أساسى من تفاصيل اللوحة؟ لو انتشلت نفسها مع المقعد والمنضدة وحقيبتها على المقعد المقابل لوجدت عنواناً يعصى على التفسير، لوجدت أنها تسد بالحقيبة نقصاً ما..كل ما تدركه أنها لا تريد المقعد فارغاً ..تريد ما بداخلها كاملاً ..تريده أن يأتى و يزيح العبث جانباً ويجلس مكانه.. وينظر إليها..يصمت فقط...فقط أن يكون لأحدهما الجرأة على النظر إلى الآخر أطول فترة ممكنة... فى صمت ..أن ترى فى صمتها وصمته ذاتها..أن تشعر أنها حقا....امرأة؟؟؟..تدرك سخرية الشعور..تبدأ فى التأقلم على وضعها الجديد من كونها تعلّى من إحساس كونها- فلتنس كلمة فتاة- امرأة!!

عند محطة الوصول يأتى العجوز

و بعد أن تُحلّى البخار المتصاعد بملعقتين من سكر وتُوازن سخونة الكوب برشفة ماء بارد من الكوب الآخر، تأخذ بين يديها رائحة الشاى وتدخنها على مهل..تعود بظهرها إلى الوراء وتنفث دخان استرخائها....وكاتفاق مسبق تسقط فى حضنها ورقة شجر خضراء تميل إلى الصُفرة ..تتأملها بابتسام مشفق وتضعها أمامها على المنضدة... وكدائرة كونية مغلقة تجيد التواصل معها تسقط ورقة أخرى على حقيبتها ..تبتسم حقاً..تنهض لتتناول حقيبتها مع ورقة الشجر و تمسح التراب من على جانبيها هى وقرينتها الأخرى ..تضعهما معاً برفق بين ثنايا كتاب بالحقيبة.. تحملها وتقف فى مكانها قليلاً لتتأكد من ثبوت قدميها على الأرض.. تتأكد من هندمة تنورتها الكتّان الواسعة وقميصها ذى الأكمام المنتفخة ومن وضع وشاحها الثابت معقودأ خلف رأسها ، وتذهب... . تخرج من جهة الدخول لتكتشف أنها خارجة من المنعطف الثالث، وما كان عليها فى بادىء الأمر إلا الانحراف يساراً وليس يميناً......

تتباطىء الخطوة المنسجمة مع الطريق المنضبطة زواياه ويتسع الابتسام لإختزان التفاصيل..تستحضر صورة الرجل الذى راقبها باستغراب ...له الآن الحق فى أن يتعجب ممن تتقمص دور غجرية تدخن النرجيلة على مقهى شعبى، فهى امرأة....تهوى جمع ورق الشجر.


الصورة لفان جوخ

الاثنين، 2 نوفمبر، 2009

عندما تصبح أسماك القرش بشراً

ترجمة للنص الألمانى المأخوذ عن برتولت بريشت


" هو إيه إللى ممكن يحصل لو سمك القرش بقى زى البنى آدمين؟ تفتكر يا عمو هيعاملوا بقية السمك الصغير كويس؟ " سألت البنت الصغيرة السيد "ك" فى فضول.

"أكيد طبعاً" أجاب عليها السيد فى منتهى الثقة وهو يضيف " شوفى يا حبيبتى، لما سمك القرش يبقى زى البنى آدمين أكيد فيه حاجات كتير هتتغير، يعنى هيبنوا للسمك الصغير صناديق كبيرة أوى يعيشوا فيها ومليانة بكل أنواع الأكل إللى ممكن تتخيليها من خضار ولحمة، وكمان هيهتموا بتوصيل الميّة الحلوة للصناديق دى علطول، غير كده بقى طبيعى يوفروا الرعاية الصحية قبل أى حاجة تانية ، لو حصل مثلاً إن سمكة صغيرة جرحت زعنفتها لازم تتعالج فوراً عشان ماتموتش من سمك القرش بدرى قبل الأوان.

وعلشان السمك الصغنن مايبقاش زعلان ونفسيته وحشة ، هيتعمله حفلات مائية طول الليل والنهار، لأن طبعاً السمك الصغير المبسوط طعمه هيبقى أحلى بكتير من السمك المكتئب.

السمك كمان لازم يروح المدرسة ويتعلم، والمدارس هتبقى موجودة فى الصناديق الكبيرة أوى إللى السمك الصغير أوى عايش فيها، عشان راحته يعنى، وهناك هيتعلم إزاى يقدر يعوم فى بلعوم سمك القرش، ده هيخليه يحتاج يدرس جغرافيا ويقدر يلاقى سمك القرش الكبير إللى بيبلبط بكسل وروقان فى الميّة. أهم حاجة خالص ضرورى يتعلمها السمك هى الأخلاق ثم الأخلاق، هيعرف إزاى إن أجمل وأفضل شىء فى الحياة لمّا يقرر بكامل حريته إنه يضحى، إنه يثق ثقة عمياء فى سمك القرش لماّ يقول إنه مهتم بتوفير مستقبل غاية فى الجمال للسمك الصغيور، سمك القرش هيقنعه إن مش هيحصل كده إلا لو شارك فى صنع مستقبله الموعود واتعلم إنه يبقى مطيع ويسمع كلام الناس الكبيرة من غير مناقشة، ما هو القرش مش معقولة هيعمل كل حاجة برضه.

فيه كمان سمك وحش مش لازم السمك المؤدب يلعب معاه وده إللى ماشى فى سكة الإتجاهات المادية
الاشتراكية الأنانية، من المهم برضه إن السمك المؤدب يبلغ عن السمك الوحش إللى يعرف إنه بيفكر فى الحاجات دى.

ويا سلام برضه لمّا سمك القرش يتحول بنى آدمين،ساعتها طبعا هيحاربوا بعضهم عشان ياخدوا الصناديق والسمك الصغير بتاع ناس تانيين، السمك الصغير تبعهم هو إللى هيحارب ويعمل كل حاجة وهيفهموه إن فيه فرق كبير جداً بينه وبين السمك الصغير بتاع أى سمك قرش تانى. بصى، المفروض إن السمك إللى هيحارب مايتكلمش بس كل مجموعة منهم سكوتها ليه لغة مختلفة تمامأ عن بقية المجموعات التانية وبالتالى مش هيقدروا يفهموا بعضهم.

المسألة ببساطة إن كل سمكة صغيرة لمَا تقتل كام سمكة من الأعداء، إللى بتتكلم لغة صمت مختلفة ، هتاخد وسام مشغول من أعشاب البحر وكل الناس هيقولوا عليها بطلة.

وكمان لما القرش يبقى زى البنى آدمين أكيد هيبقى ليهم الفن والثقافة بتوعهم، هيبقى فيه صور جميلة معروض فيها أسنان سمك القرش بألوان منعشة ، ومعروض فيها بقهم كمان وكأنه جنينة ملاهى بيلعب فيها السمك الصغير براحته.

كمان المسرح هيكون موجود فى قاع البحر وهيعرض إزاى السمك الصغير الشجاع البطل بيعوم فى بلعوم سمك القرش، شوية سمك تانيين هيعزفوا موسيقى حلوة خالص لدرجة إن السمك الصغير هيرقص على أنغامها الحالمة فى كل الإتجاهات ومفيش فى باله غير كل الأفكار الجميلة البريئة وهو مندفع فى رقصه جوه القرش.

ومش عايزين ننسى الدين، ضرورى يبقى فيه دين ، وأول حاجة هيعلمها القرش لبقية السمك إنهم يبتدوا يتكيفوا على الحياة بشكل سليم جوة أمعاء القروش كلهم.

زيادة على كده مش هيبقى فيه حاجة اسمها إن السمك كله زى بعضه زى ماهو حاصل دلوقتى، شوية منهم هتكون ليهم مكاتب ووظايف محترمة ويتحكموا فى السمك إللى أقل منهم، وإللى هيكون منهم أقوى مسموح ليه التهام السمك الصغير الضعيف، سمك القرش هيكون مبسوط أوى لما ياخد من نصيبه حتت اللحم الكبيرة، والشوية التانيين إللى حظهم أحسن شوية هيتقسموا على حسب النظام الخاص بالسمك الصغير وممكن يبقوا مدرسين، ظباط أو حتى مهندسين.

أنا عايزك تعرفى باختصار شديد يعنى : إنه لو حصل وسمك القرش اتحول بشر، هيتكون ساعتها فى البحر أول حضارة انسانية من نوعها على الإطلاق."