السبت، 10 أكتوبر، 2009

مفيش ابواب

من فترة ليست ببعيدة وأنا أعلم جيداً أن المرض سيداهم جسدى فى أية لحظة، تلك الانفلونزا اللعينة كانت تأتينى دائماً صريحة لا التواء فى طرق مهاجمتها، ولكن أكثر ما أشعره سخافة الآن أن المرض يتلاعب بى ..لا هو يتلاشى ويتركنى فى سلام ولا هى أعراضه تظهر عليّ رغم شعورى بالتعرض كل يوم لهجوم جديد بطىء يتلذذ بالتسحب إلى مسالكى الداخلية، ينتشر ويملؤنى بهدوء أشعر معه أن ثمة ما ينسحب منى أيضاً فى هدوء، كامن هو كان بين طياتى.. مكتوم لا يفصح عن صورته ولا يأبى الذهاب.

أتانى على استحياء عند ملامستى تغير صوتى واصابته بالحشرجة الدائمة..بحّة تمنعنى من التحدث بهدوء فلابد من صوت مرتفع مع التأكيد على كل كلمة كى يفهموا جيداً ما أعنيه..خشونة متصلة فى الأحبال الصوتية وتلاها نقص فى الأكسيجين لا تبشر بأى توازن على الإطلاق، سوء تنفس ليس إلا..شىء هلامى الملامح يتسلق أحبالى ويغلق المنافذ بين أنفى وصدرى..حاجز لم تُفد فى إذابته المشروبات الدافئة ( أعلم بوجودك أيها الكريه، لم لا تعلن عن نفسك بثقة يا جبان؟ ) لكن الجبان يظل جباناً، لم الإندهاش؟

هادئة أنا، أراقب تحركاته وأتيح له مساحة من الحرية الخادعة..ربما تمنيت من أعماقى لو يتمكن منى وأذوب مع ذوبانه فى مسراتى، بينما أتفاوض معه قبيل النوم ليترك لى الساعات المعدودة الآتية دون إزعاج ...أشك أنه فهم كلامى عكسياً فتكون ساعات نومى هى أكثر أوقاتى شعوراً باليقظة والتنبه، ويكون جسدى عند ضرورة نهوضى من الفراش كمن كان ساحة و مرتعاً لكل قطارات هيئة السكك الحديدية طيلة الليل.. ( خسيس أنت، تعلم أنك باصطياد نومى تضربنى فى مقتل تنهار معه دفاعتى الأخرى).

أقاوم رغماً عن ذلك إلى أن شعرت يوماً بذاك الوهن السىء..وجدتنى نائمة دون إدراكى لذلك فى بداية الأمر فقررت النوم مبكراً ..نمت ساعتين فقط واستيقظت ولم تزل بى بقايا إعياء...فضلت الإستحمام، وكتلك اللحظة المماثلة السابقة أتتنى أعراض الانسحاب عند وقوفى أمام مرآة الحمام لتمشيط شعرى.. أصابنى دفء الحمام باسترخاء شامل حد التهديد بالسقوط فى اللاوعى، استندت على حافة الحوض وأغمضت عينى لإزاحة كل الألوان المتداخلة أمامها حتى يبقى الأسود النقى الصريح..كم أحب الأسود الآن، أعلم أنه دليل على سلامتى و الأبيض يخيفنى..يقشعرنى إن رأيته، حينها أعلم أن ساعتى حانت لامحالة، أصبح مساوياً عندى للموت..والفراق..........هبقى كويسة..هبقى كويسة

تذكرت تلك المرة عندما أصابنى برد بالمعدة وحدث نفس السيناريو بالتقريب..نوم مريض.. حمام دافىء، ثم استلقاء على الحافة بين الواقع والحلم، بين كونى لا أعى ما يحدث حولى وكون العالم لا يعينى، بين افراغى لكل محتويات معدتى وبين افراغ روحى لما يحتويها من جسد.....هبقى كويسة..هبقى كويسة

أكملت تمشيط شعرى وعدت إلى غرفتى، للحظة ظننت أن المقاومة عبثاً لن تستمر وسأصرخ طالبة المساعدة...جلست على حافة السرير صامتة متنفسة بعمق..هبقى كويسة..هبقى كويسة، ذهبت للمطبخ لأعد كوباً من الحليب الدافىء محُلى بعسل النحل..خرجت به وتكورت داخل أحد المقاعد محتضنه إياه بكلتا يداى وأنا أرتشفه فى بطء....تذكرت أنه لم يكن يحب الأشياء الصريحة.. القهوة الصريحة.. الشاى الصريح..الحليب الصريح، يجب أن يكون الحليب ممزوجاً مع غيره وغيره ممزوجاً بالحليب..... تسآلت لما لا أشرب القهوة؟ أحب رائحتها لكنها قد لا تشبهنى فدائماً ما أتخيلها مع سيجارة مشتعلة ومطفأة ممتلئة..فكرت أن الكاكاو باللبن هو ما يلائمنى فهو الشىء الوحيد الذى لا أحب صراحته ، شعرت بقليل من التحسن عند انتهائى من الكوب ومن أفكارى الدافئة الممزوجة بنكهة القهوة والكاكاو ولون الشاى بالحليب البنى الشاحب.

أنا كويسة..أنا كويسة....لن أسمح للمرض بالتمكن منى الآن..لست وحيدة..سأعود للمطبخ.. أرتدى المريلة..أرتب الأطباق المتناثرة فى الحوض استعداداً للغسيل، أصطحب معى جهازى الموسيقى الصغير وينطلق صوت فيروز الملائكى و موسيقى الرحابنة..دائماً فيروز.. الآن هى فيروز..فقط فيروز، أستمع وأمارس عملى، بهدوء بانصات ويرتفع صوتى المبحوح بالغناء..الغناء يداوى علة الروح والعمل يتغلب على علة جسدى..........أنا كويسة .. أنا كويسة..شيئاً فشيئاً يزداد صمودى ومخزون اصطبارى ( عافرى عالصبر..عافرى لو كنتى لسة باقية عاللى فاضل فى روحك)

لم يبق إلا الشمس..ذهبت إليها بعد تلك الليلة الفيروزية، غمرتنى أثناء سيرى فى الطرقات بساعات الظهر الحارقة و استمتعت بها رغم لهيبها..رغم عرقى شعرت أن كل قطرة عرق تُخرج معها تباعاً جزء من جراثيمى وشوائبى، والشمس تغسل سراديبى الداخلية، تصلح كهربائها، تفتح نوافذها على العالم الخارجى من جديد

بشتقلك لا بقدر اشوفك ولا بقدر احكيك/ بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك*

تذكرت ذلك المشهد الأثير عند افتراش الأوراق الخضراء الفضاء فوق رأسى..اللون الأخضر المتشرب بالخيوط الذهبية الحانية....يا لها من راحة، وياله من حنين...هكذا نستطيع النوم دون خوف....كلما كنت أجلس على الكرسى تحتها ينخفض جزعى لأسفل فى استرخاء وتعود رأسى للخلف مستندة لظهره، أملأ عينى ووجهى قليلاً بتلعب الأصفر والأخضر وكأنى أحيى الشجرة وشمسها فى رد فعل تلقائى لا أتعمده...

يا زمان/ من عمر فَىّ العشب عالحيطان/ من قبل ماصار الشجر عالى**

هكذا كنت أستطيع النوم بثقة وأنا أتلمس عينيه تراقبانى حين جلوسى، تراقبا حركة جسدى حين استرخائه وتراقب عينى عند نظرها لأعلى، كنت أعلم أنه أصبح يتوقع تلك الفعلة كل مرة فتحاصرنى عيناه دون إزعاج لى، وتلازمنى استرخاءاً ورجوعاً للخلف وصعوداً لأعلى وأنا مبتسمة فى رضا...أحببت كيف يَشعرنى..كيف أترك لعينه المساحة دون احراج باعلانى كشفى المتخابث لمراقبته إياى......هكذا أستطيع النوم دون عبء بالمرض فأنا مرتاحة..مرتاحة جداً

نامى ولا تنامى يا صغيرة الربيع/ نامى بالسلامة قبل الدني ما تضيع***

أخذت حصتى من المضادات الحيوية وفى طريق العودة مررت بذلك المحل الشهير ولم أستطع التذكر جيداً متى كانت آخر مرة تناولت عنده الأيس كريم...خلفته ورائى دون أسف ولم يعنينى أن موسم البلح فى هذه الأيام وسأجد عنده نوعى المفضل بالتأكيد...تركته وذهبت فهناك العديد من الأشياء فقدت طعمها عند ممارستها على انفراد

موعدنا بكرة/ وشو اتأخر بكرة****

فى تلك اللحظة لم أشعر أن المرض يحضر لردة فعل عكسى وما ظننته شفاءاً كان استعداداً لهجوم مضاد...صامتة أنا..أراقبنى من بعيد..أدرك أنه يتابعنى ويرعانى من بعيد..كلانا يرى الآخر من بعيد..سئمت من تلك الاستغماية..سئمت من كل شىء..روحى مغلقة..نوافذى وأبوابى أُغلقت من جديد..هل الأفضل من مقاومة المرض مصالحته؟...إن كنت مصمماً على البقاء فامكث ما يحلو لك من وقت وخذ ما تشاء واذهب بعيداً...سمحت له إذن أن يغزو جسدى،أن يرينى نفسه بوضوح أكرم له من أن يلاعبنى من وراء ستائر وكفانى ولعاً بالحيل

يا ريتك مش رايح/ يا ريتك تبقى..تبقى عطول*****

وقضيت البارحة يا عزيزى فى صحبة السيد ليمون ورفيقته الأنسة جوافة..استسلمت لنعاس خفيف وأنا جالسة مكانى..ربما هى الهدنة إذن..دخلت الفراش مبكرة، أحكمت غطائى وضممت إلى صدرى لعبتى الفرو على هيئة خروف صغير مغلق العينين دائماً بابتسامة فيها وداعة وكأنه يقطن ملكوتاً آخراً...إنه الأمان..أن أحتضن كائن صغير ولو كان لعبة ويحتضنى غطاء دافىء.....وإن لم يكن أنت

خليك لا تروح مشتاقة لك / خليك كتير حبيت عينيك******

فى النوم وعبر الضفة الأخرى من عالمى تأتينى لتسألنى: ما وحشتيكيش؟

.....أكيد وحشتنى....لكن.........بس أنا عشت سنين طويلة من قبلك..وهعرف أعيش وقت طويل جاى من بعدك...كل الفرق إللى هيحصل إنى هبقى ما شية فى الشوارع وقاعدة فى الأماكن وأنا بتلفت حواليا من وقت للتانى وكأن فيه حاجة ضايعة منى..وكأن فيه حد أنا مستنياه...هقف فى الإشارة ومش هعدّى مستنية العربيات تقف براحتها واستغل الوقت فى اختزان الاتجاهات وأسامى الشوارع وأماكن الميادين وزخارف العمارات القديمة فوق منّى ..وهجرب مرة أركب الميكروباص بدل المترو علشان هشوف حاجات جديدة وأبقى قريبة من روايح الناس والدكاكين والقهاوى ومنظر النيل....و.....و........و.....و......

يضيع الصوت و رنينه الألى فى فراغ رمادى

يبان لى طريق طويل بلا بيك إنت*******

واستيقظت اليوم على اثر يد دافئة تلامس جبهتى و وجنتى..أفتح عينى ببطء لأجدها أمى تطمئن على حرارتى وتغادر فى هدوء..تمنيت لو توقظنى كل يوم هكذا....شعرت أنى فى حال أفضل، فى كل الأحوال سأتعافى من المرض ويأتينى غيره وسأتحايل معه وعليه كما أفعل هذه المرة..مادام هناك مزيداً من الأجسام المضادة ومزيداً من المناعة، فلا بأس بقليل من الإنهاك والتعب والألم

تذكرت المشهد الإفتتاحى لذلك الفيلم حين قامت بطلته من نومها مفزوعة فقد كانت تحلم أن بيتها فقد حجراته لأن ببساطة ليس به أبواب أو جدران

تذكرت أنى مؤخرأ أنتفض فزعاً كلما لامس أحد ما بيده كتفى أو ظهرى عند محادثتى أو عند إتيانى من خلفى

تذكرت أنى أيضاً كنت أحلم...رغبت فى البكاء...بحثت عن خروفى الصغير تحت الغطاء..ضممته باحكام هذه المرة وأغلقت عينى ثانية وأنا أحاول تذكر تلك السطور

أُرجح الاحتمالات الطيبة لكل السوء الذى حدث، المحبة خادعة، والحنان مشبوه..لكننى..رغم حدة الألم..سأستمر فى تصديق ما لا أراه********

أغانى فيروز بالترتيب

*حبيتك تنسيت النوم

** وحدن

***غيبى ولا تغيبى

****سألتك حبيبى

*****ما قدرت نسيت

******خليك بالبيت

******* مسك الليل لسعاد ماسى

******** من ديوان(شمس مؤقتة) لسوزان عليوان